طفا الحديث في الفترة الأخيرة حول المؤسسات والشركات الناشئة والستارتاب وأفكار الابتكار كمقاربة اقتصادية جديدة تبنّتها الحكومة ومؤسسة الرئاسة ضمن مشروع الجزائر الجديدة، وهو ما بدأ كتخصيص وزارة وصندوق تمويل قائم بذاته، وبجس النبض في وسائل الإعلام ثم جاءت مرحلة صياغة القوانين ونحن الآن في المرحلة الأهم والأصعب وهو التنفيذ وتنزيل الفكرة إلى أرض الميدان.

يصعب التكهن بنجاح فكرة ريادة الأعمال في الجزائر نظر للسياق الصعب الذي نعيشه سياسيا واجتماعيا، ولوجود عدة تراكمات ومعرقلات قد ترهن مصير الفكرة خاصة إذا تم تسييسها أكثر مما ينبغي، ولنا في تجربة “لونساج” المثل السيء، بعدما صارت جزرة معلقة في العصا التي أغري بها صنف كبير من الشباب في كل موعد انتخابي، وما رافق المشروع من تبذير كارثي لميزانيات ضخمة، مع وجود استثناءات ناجحة لا ننكرها، ولكن يمكن القول إن الخلل كان في ربط المشروع بفكرة التمويل حصرا.

مبدئيا نحن أمام فرصة واعدة للإقلاع بمجال المشاريع الناشئة لما تتوفر به الجزائر من موارد بشرية متمكنة تقنيا، وموارد طبيعية ثرية، وكل مقومات النجاح المادية، إلا أنه ليس علينا الإسراف في التفاؤل بما أن الذهنية لازالت بعيدة نوعا ما عن تحقيق هذه الطفرة على المدى القريب، ومع ترسبات مرحلة سابقة سيئة كرّست لمفاهيم بالية كالربح السريع، وطغيان منطق “الشكارة” على حساب الأفكار الإبداعية والابتكار.

من المبكر الحديث عن أي بوادر نجاح بما ستفرزه هذه الهبّة الإعلامية، بل علينا التريث والتعامل مع الموضوع بحذر في ظل وجود انتهازيين، وممارسات البيروقراطية التي تتنافى تماما مع مفهوم المقاولاتية الرقمية، دون الخوض كثيرا في ضعف البنية التحتية ورداءة خدمات الإنترنت وغياب نية ورؤية واضحة من شركات الاتصالات لإصلاح هذا التخلف، وما مهزلة قطع الإنترنت أيام الباكلوريا ببعيدة عنا.

على الشباب الجزائري أن يتمنى الأفضل ويتوقع الأسوأ في تبني الحكومة لموجة المشاريع الريادية، كي لا ينصدم بما سيجده من مطبات وتحديات تتعلق بالإجراءات الإدارية وبالموارد البشرية في ظل منظومة تعاقدية هشة، وعلى كل صاحب مشروع أن يتصرف بواقعية ويختار لنفسه الوسائل والخطط التي تضمن له صموده في السوق بكل ما يحمله من صعوبات وتحديات تتعلق بالمنافسة الشريفة وغير الشريفة.

رجائي أن تقضي هذه المقاربة على عقدة الانبهار بالأجنبي، وتولي للكفاءة الوطنية المخلصة الأهمية المستحقة، ولنا في الطاقات الجزائرية المبدعة في شتى دول العالم العبرة من الفوارق المادية والمعنوية التي يجدونها هناك مقارنة بما عاشوه في بلدهم، ومهما كان رأينا من الحكومة والنظام إلا أن المبادرة مهمة تستحق الإشادة والتحية، نسأل الله التوفيق والسداد لكل وطني مخلص يبذل جهده لتغيير الممارسات البائدة بما ينفع هذا الوطن الطيب الولود.