مدونة جابر

معنى أن تكون اجتماعيّا

ينشأ الشاب في محيطه العائلي المصغّر والموسّع، ويكبر بين ثنايا مجتمعه، ويتعلّم تقاليد وعادات من حوله، ويتلقى في أطوار الدراسة تربية وعلما، بين كل هذا وذاك يرى بأعينه ويسمع بأذنيه بإن مجتمعه ومحيطه استثمرا فيه كل ذلك الجهد ليرد بالمثل لمن بعده ويجتهد ليكون شابا ورجلا اجتماعيا.

من هو الشخص الاجتماعي؟ وكيف نكون اجتماعيين؟ هل بالاكتساب أم بالفطرة أم بالوراثة؟ أسئلة تتبادر لذهن أي منا كل مرة، أحاول أن أبسّط في هذه الأسطر القليلة بعض المفاهيم وأضعك أخي القارئ في الصورة لتواصل الاكتشاف والبحث وتفيدنا إن أمكن بإثراء الموضوع والتوسع فيه.

في المناسبات التي مرت والتي ستأتي إن أطال الله في العمر، تجسدت الكثير من الصور أمامي من أناس وشباب وشابات يقومون بالعمل الاجتماعي، ببساطة يقومون بأنشطة ومبادرات لا تأتي عليهم بالنفع بالدرجة الأولى ولكنها تفيد غيرهم، أما ما سيعود عليهم هم فهو ثواب الله ورضوانه بالدرجة الأولى، ثم يجدون صدى ما قدّموا في تصرّفات غيرهم تجاههم حين يكونون في منزلة الحاجة.

صور العمل الاجتماعي تتجسّد مثلا في من يبذل نفسه أو جهده أو ماله أو وقته للإشراف أو التخطيط أو التسيير لمشاريع بناء مؤسسات خيرية، أو كان في لجنة لجمع الصدقات وأموال الزكاة ثم تفريقها على من يستحقها دون طلب أي جزاء أو شكر، أو كان مرابطا في حراسة أملاك الناس، وهو ممن قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: “عينان لا تمسهما النار أبدا، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله”، أو كان مشرفا على مجموعة شباب ضمن نشاط معين في جمعية ما باختلاف المجالات والتخصصات، أو… أو… صور العمل الاجتماعي لا تعد ولا تحصى.

لنتأمل قليلا في ما ذكر من مجالات العمل التطوّعي ونجد أن صاحب المال والجهد والرأي والفكر والخبرة كلهم مندرجون ضمن تلك الأنواع، فلا عذر لأحد للتراخي، كما أن حسابات الله في هذا الأمر ليست كما نتصوّر أو نتعامل نحن، فعمل بسيط من شاب أبسط أثقل عند الله من مبالغ طائلة ينفقها رجل غني لبناء صرح خيري معين إن كان الأول مخلصا والثاني غير كذلك، إذن العمل الاجتماعي أمر بين العبد وربّه فقط.

لكن هل كل من يقوم بفعل لغيره يعتبر اجتماعيا؟ الأكيد لا، فهناك من له مآرب دنيوية وراء ذلك، وهذا خلاف للأصل، كأن يكون عمله رياء، أو مقابل مصلحة ضيقة، أو مضطرا مكرها فقط، فهؤلاء نجدهم ممن لا يألفون ولا يؤلفون، كما أنهم لا ينتظرون خدمة الناس لهم، كونهم لم يزرعوا تلك البذور التي يطمعون يوما أن يقطفوها ثمارا من غيرهم يوم تنقلب موازين الحياة وما أكثر انقلابها، فاسع للخير في سعتك قبل ضيقك.

إذا أردت أن يخدمك الناس اسع لخدمتهم أوّلا محتسبا مخلصا وباستمرار، فالعمل الاجتماعي أصله النية لله وحده المطّلع على القلوب والنوايا والمحاسب على الأفعال، فأي منا يمكن أن يكون منذ صغره إلى مماته نشيطا فاعلا في مجتمعه الذي ربّاه وأنشأه، أو في أي نطاق آخر، فعمل الخير ليس له حدود.

أما عن الطريقة، فهناك نوعين في عصرنا الحالي، أولهما العمل الاجتماعي في مؤسسات خيرية عرفية عريقة، تعمل بأسلوب عفوي تحكمه عدة ضوابط وأنظمة محكمة، لم تبق آثارها إلا في المجتمعات المحافظة خاصة في القرى والأرياف، أما النوع الثاني فتوفر في المدن التي غزاها (التحضّر) – بالمفهوم الغربي – حيث فقدت كثيرا من ميزات النوع الأول، ثم سعت لاستعادتها بطرق أخرى حديثة تؤدي دورا مفيدا وهاما بالرغم من كونها أقل تأثيرا ومن هذه الطرق الحديثة:

أظن أن هذه الصور كافية لإبراز تطوّر العمل الاجتماعي مع تطوّر الزمن، ووجود أخرى بالتأكيد لا يتّسع المقام لحصرها، فمما ذكر نرى أن كل تلك الحلول ماهي إلا عودة لما تم فقده من قبل، بإقامة مؤتمرات عالمية وإنفاق مصاريف باهظة لاستعادة روح غائبة في بعض الأوساط، ونحن نتنعم بها – في بلدتي – من آبائنا وأجدادنا والحمد لله، فإن لم نركّز عليها ونجتهد في تطويرها ضاعت منّا ولا ينفع الندم حينها، فكم يؤسفني حين أسمع شابا يتنكر لتلك المؤسسات والأعراف العريقة التي لولا أن رجالها كانوا اجتماعيين ما وصلت إلينا، فلنتق الله فيما بقي بين أيدينا ولنبلغه أمانة لمن بعدنا، وويل لمن تكسر في يده البيضة.

مرحلة الشباب طاقة غزيرة فياضة، إن أحسنا استغلالها كانت فتحا ودفعا للأمام لعجلة تطوّر مجتمعاتنا، أما إن كسرناها أو أرقناها فيما لا يعني، فالخسارة تعمّ الجميع، ولكلّ مثال صوره الحيّة الموجودة المجسّدة أمام أنظارنا، فلتختر أخي الشاب أي مسار تتخذه، ولتكن سباقا للخير، لتنال رضوان الله تعالى وهي أسمى غاية للمؤمن من كل حياته.

Exit mobile version