قصص النجاح بدايتها حلم وآخرها حقيقة، وقصتنا هذه المرة أبطالها مجموعة شباب، كل العالم شاهد فرحتهم على المباشر، وكذلك فرحة شعبهم، التي بدأت ولا زالت متواصلة لحد كتابة هذه الأسطر، تجربة تستحق منا البحث في حيثياتها والتعمق في جزئياتها، علّنا يوما نقتدي، ففيم نجحت قطر؟ وكيف نجحت؟

“العالم سيذهب إلى قطر”، “قطر 2022 مونديال المشاعر”، “قطر تجلب المونديال إلى الشرق الأوسط”، هذه بعض العناوين في وسائل الإعلام العالمية حول حدث هذا الأسبوع، تنظيم قطر لبطولة كأس العالم 2022، وبكل ما يعنيه هذا الحدث لدى متخصصي التسويق والاقتصاد والاستشراف وغيرهم، فيمكن أن نعتبر يوم 2 ديسمبر 2010 حدثا تاريخيا ومنعرجا حاسما في مسيرة دولة اسمها قطر.

إعلان فوز قطر بشرف تنظيم كأس العالم لم يأت من فراغ، كما لم يمكن مفاجأة لكل متتبع للحدث عن قرب، والسبب ما تقدّم هذه الدولة التي يعادل حجمها الجغرافي أصغر الولايات عندنا في الجزائر من مفاجآت وتحدّيات تجسّدت وتحقّقت، ولا ينكره إلا من موهبته ذر الرماد على العيون، ونفي الشمس في وضح النهار.

ماذا يعني تنظيم كأس العالم؟ ولماذا كل هذه الضجة للعبة كرة القدم؟ أليست مجرد لهو ولعب؟ هذه الأسئلة يطرحها الكثيرون، لا أتهمهم بالسطحة وسوء تقدير الأمور، لأن كل الأمور اجتهادية، فلا مجال لاتهام أي طرف لآخر سواء لمن أعجب وصفّق وفرح، ولمن رأى ذلك عكس ذلك، فالكل حر في طرح أفكاره والإيمان بقناعاته.

أحاول الإجابة عن هذه الأسئلة حسب وجهة نظري الخاصة، كما نعلم أن تنظيم كأس العالم يعلن عنه قبل سنوات من انعقاده، وذلك يتطلب تحضير الدولة التي تريد الاستضافة ملفا ضخما يتناول عدة معايير يجب أن تتوفر فيها، بداية من البنية التحتية كالطرقات والمواصلات، مرورا بالهياكل الفندقية، إلى وسائل الاتصالات، والأهم من ذلك تقديم تقارير عن ظروف الأمن والتعليم والعمل وغيرها، كل هذه الوسائل عندما تتوفر يعود النفع فيها بالدرجة الأولى للمواطن الذي يستفيد منها للأبد بعد مغادرة الضيوف بانتهاء الحدث.

هذه نقطة، ويمكن أن نلاحظ أيضا تلك الهالة الإعلامية التي تحظى بها الدولة المنظمة عالميا، وتحسّن سمعتها بتلك الهالة في شيء جميل إيجابي، لا في حرب أو أحداث مؤلمة، فلما يذكر اسم أفغانستان وقطر، ماذا يتبادر لذهنك أول الأمر منهما؟ ذلك ليس شعورك أنت فقط، لكنه شعور أي شخص في العالم، كما كان الأمر مع جنوب إفريقيا هذا العام، فقد تغيّرت الكثير من المفاهيم والتصوّرات السابقة حولها.

هذا ولا يتسع المجال للحديث حول العائدات المادية للدولة المستضيفة، رغم أن هذا العامل ليس مهما لدينا في الجزائر!، فلو فزنا يوما بشرف تنظيم كأس العالم، – والحلم مشروع- تكفينا الفوائد المعنوية المذكورة سابقا نظرا لحالنا الآن، فخزائن الدولة تغلق بصعوبة بالغة بسبب الأموال المكدّسة والتي لا تسعها لتدافعها، فأين ستوضع عوائد المونديال بعد ذلك!!؟ وربما هذا ما يمنع قيادتنا من التقدم لطلب استضافة مثل هذه المناسبات!!

هذه إيجابيات تنظيم حدث عالمي بحجم المونديال ونفس الأمر بالنسبة للأحداث الإقليمية الأخرى، مع وجود سلبيات وتحفّظات غير أنها قليلة وضئيلة بالمقارنة مع حجم المكتسبات والعائدات المعنوية والمادية.

نعود لقطر وقصة ملفّها الذي سخر منه الكثيرون وتوقّعوا لها الإخفاق كما وقع لغيرها من قبل، وكان الكتّاب والنقاد والمتحدثين حينها يعتقدون حصول أمور وقواعد قد كسرتها قطر هذه المرة، ككون الدول العربية لا ترقى لاحتضان الحدث، واستعمال نظرية المؤامرة في ذلك مع الاحساس بالنقص بسبب الانتماء الذي تراكم إلى مجالات أخرى، لكن أين هم هؤلاء الخبراء الآن؟ كلهم خرسوا وغابوا بمجرد سحب بلاتر لبطاقة قطر من الظرف وإعلانه للعالم أمام مرآى كل من شاهد.

قطر فازت بشرف التنظيم شاء من شاء وكره من كره، شخصيا فرحت معها لعدة اعتبارات فطرية دون أي تصنّع أو تمثيل منها:

  • قطر دولة صغيرة الحجم، كبيرة العقل، حسنة التدبير، وهذه المؤشرات تجعل أيا كان يتعاطف ويساند من تتوفر فيه، زرتها منذ مدة ورأيت حب المواطن لوطنه، كما شاهدت نيّة التطوير والقيام بالدولة والتقدّم بها لمصاف الكبار.
  • قطر دولة مناسبة جدا وبأتم معنى الكلمة للمواطن المسلم، يعيش فيها حياة كريمة هو وعائلته، أحسن من الجزائر بكثير، واسألوا من جرّب.
  • قطر افتكت شرف التنظيم من أمريكا، وهذا في حد ذاته إنجاز لو قامت به وحده لكفى به فخرا.
  • قطر التي قدّمت ملف استضافة مبهر بمنشآت متطوّرة جدا، كما أذهلني استعمالها الطاقة الشمسية في تبريدها، ودقة الاهتمام بالتفاصيل زاد من قيمة الترويج لملفها المبدع الأسطوري، كل ذلك كان بتظافر جهود عالمية كان للجزائر فيها دور بأبنائها هناك باختلاف تخصصاتهم.
  • قطر التي أحييها وأعتز بهافي كل مجالات تطورها، دون مواقفها السياسية، لأنه حتى أمريكا التي أكرهها هي أمريكا السياسية، وليست الاقتصادية والعلمية، فمن هذه النواحي أنظر إليها دائما بنظرة إكبار.
  • قطر فازت بشرف التنظيم بأيدي شباب في مقتبل العمر، والأكيد أن وراءهم خبرة الشياب، هذه الأمثلة التي أحبها وأهتم بتجاربها كثيرا، ونفس الصورة تنطبق على مشاريع الإمارات العربية المتحدة.
  • قطر التي بنت كيانا إعلاميا عملاقا محترفا يتمثل في الجزيرة، يستقطب حاليا خيرة الإعلاميين من كل العالم، هذا الكيان كان لها عونا في الترويج لملفها، كما ابدعت أيضا في مجالات الصحة والتربية والتعليم والرياضة والطيران ذو الخمس نجوم، كل هذه الأمور تجعلني شغوفا بهذا البلد وفرحا بكل إنجازاته.

لكل قصة نجاح بعض التحفظات، ولكي لا يلومني من يتصيّد العثرات، فعلى ضوء ما تعلّمت أن آخذ كل تجربة بمنظار الباحث عن الأحسن والأفضل، وترك ما يمكن أن يتعارض مع عاداتي وتقاليدي، بل حتى مع ديني أحيانا، في الأخير أجد أن تجربة قطر رائدة، فقد وجهت صفعة مدوية لكل بلد عربي يعتبرها -ولا يزال- أصغر مما تقول، فحاليا قطر تفعل ولا تقول، ونفس الشيء لدول كثيرة لها ما لها من إيجابيات يمكن الأخذ بها كإيران وتركيا وماليزيا وسنغافورة و…. وربما الجزائر.

يقولون قطر فازت بطرق غير شرعية، كالمال، والتطبيع، نرحب بدولتنا لتفعل كل ذلك إن كانت ستصبح مثل قطر، المشكل أن كل تلك المصائب موجودة فعلا في كثير من الدول سرا وعلانية دون أن تصل لمستوى الرقي والتقدم والاعتزاز الذي يحظى به المواطن القطري.

قطر لم تفكر في استضافة كأس العالم لتلهو، ولكنها بعدما وفرت الظروف الأساسية والكمالية لمواطنيها وللوافدين أيضا، كان نتيجة ذلك ما نرى حاليا، فأين الجزائر التي لا تشكو أي نقص في المال، ولا المادة الرمادية (العقل البشري)، ولا سوء الطقس، ولا ضيق المساحة، ولكن خللها في التسيير، بتعيين الرجل غير المناسب في المنصب غير المناسب أيضا في أغلب المناصب القيادية، أين أنت يا جزائر لتتواضعي لقطر وتتعلمي منها، فكفانا تصفيقا وتأييدا فقط، فهذا واجبنا نعم، لكن لا يخول لنا القعود، بل نريد السير على خطى كل من نجح، ولم لا ليسير على خطانا يوما من ينشد النجاح أيضا!