قراءة الكتب والدعوة إلى امتلاك حس المطالعة من بين أكثر التوصيات التي تشتهر في الأوساط المعرفية، هي نصيحة الأستاذ لطالبه، وتوجيه يقدمه الآباء للأبناء، خصوصا مع انتشار مبادرات القراءة في شبكات التواصل الاجتماعي، وتوفر محتوى معتبر فيما يتعلق بمراجعات وتقيييمات القراء، حيث نجد لكل كتاب من يمدحه ومن يقدح فيه، من يرفع شأنه ومن يمسح به الأرض، وهذا أمر طبيعي جدا، وصحي عند من يدرك الموضوع ويفهم فيه.

بداية علينا أن نحدد الهدف من قراءة الكتاب، هل نفعل ذلك في سياق بحث علمي في قضية معينة، وهنا نحن بصدد الوصول لمعلومات تؤكد أو تنفي الفرضية التي بين أيدينا، أم نريد من وراء المطالعة اكتساب مهارة ما، أو فهم مسألة، أو الاطلاع على نمط تفكير آخر، سنلاحظ أن هناك الكثير من الأهداف، وباختلافها تختلف طريقة اختيار الكتاب، وزاوية قراءته، وبعد ذلك تقييمه، لنكون أكثر إنصافا.

لو نتحدث عن هدف تطوير مهارتنا في تحليل المعلومة، فإننا هنا أمام خيار الكتاب الفكري الذي يحلل القضايا ويفككها ثم يعيد تركيبها، وأكثر من ذلك علينا القراءة لعدة آراء ومن عدة زوايا، لتكون النتيجة أقرب للموضوعية، عندما نقارن المقدمات والفرضيات والنتائج، وشيئا فشيئا نمتلك معاييرنا الخاصة، ونكتسب مناعة ومهارة في فرز وتصنيف وترتيب المعلومة والفكرة قبل تبنيها واتخاذها قاعدة ضمن قواعدنا في الحياة.

لا تقرأ الكتب بغرض حفظ ما فيها، وإنما الهدف هو الاستيعاب، والمقصود هنا هي معالجة المعلومات والأفكار في أذهاننا بطريقة آلية عفوية، وهذا ما يمتاز به عقل الإنسان، وبذلك ينمي أداءه في توليد الأفكار من مجموعة ما مر عليه من معلومات وخبرات ومواقف، فالمنصوح دائما هو تعديد المصادر ومحاولة الإحاطة بالموضوع من عدة زوايا وأكثر من مؤلف، لأننا في الأخير لسنا بصدد تكرار ما نقرأه، بل نبني عليه بشكل تراكمي نظرتنا الخاصة، ولم لا نصل لدرجة التأليف كذلك لنسهم في دفع عجلة المعرفة ونضع بصمتنا في الحياة بمواقفنا وتحليلاتنا وآرائنا.

في القراءة علينا البحث عن الأسئلة الصحيحة قبل الأجوبة الصحيحة، علينا أن نسعى إلى اكتشاف مناهج التحليل والوصول لتلك الخلاصات التي يقررها الكاتب قبل أن نذهب إلى نتائجه ونتبناها ونتحدث بها نيابة عنه، وعلينا كذلك اكتشاف معايير التحليل التي يتعامل بها في طروحاته قبل أن نقتنع بكل ما ذهب إليه، لأننا في الأخير نتعامل مع جهد بشري له خلفياته وما يستند عليه فيما كتب واعتقد، خاصة إننا نرى الكاتب نفسه يتراجع ويراجع أفكاره من حين لآخر، فما بالنا بنا نحن القراء.

يتساءل القارئ في الجدوى من أنواع الكتب وأصنافها، وكيف لنا أن ننتقي أفضلها بين الروايات والكتب العلمية والفكرية والتحليلية وأدب الرحلات والسير الذاتية وكتب تنمية الذات.. وغيرها من الأصناف التي تملأ رفوف المكتبات من شتى الأشكال والألوان واللغات، وهنا أشير إلى ضرورة التنوع بينها لكونها مفيدة جميعا كل في سياقها وإطارها، ولا أوافق من يرى لأي صنف بنظرة دونية، أو يفاضل بين صنف وآخر دون معيار واضح.

قراءة الكتب ضرورة كالماء والهواء، لا تعتبر مجرد هواية وترف، خاصة في عصر الانفجار المعرفي الذي نشهده اليوم، وأمام كومة المحتوى التافه الذي تدعمه لوغاريثميات شبكات التواصل الاجتماعي للأسف لأسباب اقتصادية غالبا، وأسباب أخرى مخفية وظاهرة، صار لزاما على الإنسان أن يحصن نفسه معرفيا ويعمل بشكل جاد لاكتساب مناعة وآليات دقيقة لتمييز الغث من السمين، والجيد من الرديء.