مدونة جابر

فن الأسفار (2) … قبل الانطلاق!

مواصلة في حلقات الأسفار وتتمة لما بدأت قبل اليوم، أتناول هذه المرة خطوات أخرى ومرحلة متقدمة لما ذكر سالفا، فالمعنى الحقيقي للأسفار وزيارة بلدان العالم لا يتمثل فقط في جملة إجراءات متتالية –مع أهميتها- إنما هناك معان أسمى وأهم إن نحن علمنا كيف نستثمرها استفدنا واستمتعنا كثيرا.

بعدما ممرنا في [الحلقة السابقة] بموضوع جواز السفر (Passport)، وحسن اختيار الوجهة والبحث عن معلومات أوفى عنها، ثم التأشيرة والتذكرة، نستمر مع أجزاء أخرى لا تقل أهمية بأي حال من الأحوال، كالتفصيل أكثر في نقطة معلومات الوِجهة الضرورية لتحقيق أكبر نسبة من الأهداف المرجوة، ولا تخلو أي رحلة من أهداف محددة، وغيرها من التفاصيل المهمة، وبداية بخطة الرحلة.

تتغير أسباب ودوافع القرار بشأن الرحلات والأسفار، في تفاصيلها، إلا أنها عامة تتقاطع في مجموعة محاور لا تخرج عادة عن السياحة بأنواعها والعمل أو الدراسة، فإن أخذ الأول جزءا كبيرا، كان الثاني جزئيا والعكس صحيح أيضا، هنا علينا تحديد خطة متكاملة عن أهم أهداف الرحلة، نكتبها ونتأملها جيدا، ثم نصنفها إلى أساسية وجزئية، لأننا بعد الرحلة سنقيم ما فعلنا ولا نجد أفضل من الأهداف الموضوعة سلفا لنقيّم على ضوئها.

مع الإشارة إلى أن الخطة تكتب في مجملها دون الخوض كثيرا في التفاصيل كون أمور عدة تطرأ لاحقا، وإن ملأنا الجدول الزمني كليّة فسوف نقع في تعارض حينما يستجد ما يهمّنا حقا، ولكن لم يدرج في البرنامج انطلاقا، فهنا تقتضي الحكمة المرونة في استثمار أوقاتنا وبرامجنا إذ نجعلها خادمة لنا، لا أن نقع في فخ التقيد المطلق بها!

يمكن أن ندقق أكثر فنطلق نسبا حقيقية على كل هدف سطرناه، فإن نحن حققناه أشّرنا إليه بما يدل على ذلك، وحينما نصل للتقييم نجد العملية سهلة، وعلينا التنبّه إلى أن الأهداف ليست مادية فقط كما يغلب على تفكير الكثيرين، إنما هناك مقاصد ومكاسب معنوية نحصل عليها، فلا نورّط أنفسنا في الحسابات المادية الضيقة فقط، كي ننعم بأيام جميلة، ونستمتع بلحظات خاصة، نستفيد منها أفضل استفادة، فحسن التدبير مطلوب نعم لكن بحكمة ودون تكلّف، والمعنى فيما نقبل عليه أولى من الشكليات والأمور المادية.

هذه خطوة مهمة جدا ستوفر علينا الكثير من الجهد، وتغنينا عن إهدار أوقات معتبرة دون فائدة، ولتحقيق المنفعة مسبقا من أوقاتنا أثناء الرحلة، علينا أن نأخذ فكرة عامة عن البلاد التي نقصدها، أهم مزاراتها، وعناوين ما يهمّنا، وكل ذلك باستعمال الإنترنت فقط، إذ تتوفر الكثير من المواقع المفيدة في هذا الصدد ولعلي أذكر بالخير منتدى “المسافرون العرب” الذي كثيرا ما أفادني شخصيا، بفضل مراجعات عدد كبير ممن سبق في زيارة بلدان العالم، فهناك تجد ما ينصح به، ويحذر منه، ما هو مطلوب وما هو غير ذلك ، كل التفاصيل تجدها مما تتصوره ومما لا تتصور!

كما يمكن الاستفادة من الإنترنت في حجز الفنادق واختيار أفضلها، وذلك بأخذ جولة متأنية عميقة في أهم مواقع الحجز عن بعد، ولعل أفضلها على الإطلاق حاليا موقع [بوكينغ] الشهير، ففيه آخر العروض وأفضلها، حسب عدة معايير، كالسعر أو تقييم النزلاء أو عدد النجوم… إلخ، فالموقع مفيد جدا وبالتجربة.

هناك خدمة أخرى فتحت آفاقا كبيرة هي الخرائط المفصّلة بدقة والتي تعمل بتقنية الـ GPS فهي تتوفر في الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية بأنواعها، وهي حقا نعمة كبيرة، تغنيك عن الكثير من الأمور، كتضييع الأوقات في البحث عن المزارات، وتفادي صعوبات السؤال في الشارع ممن يفهمك وممن لا يفهمك، فبفضل تلك التقنية ستتعامل مع الأماكن التي تقصدها بمنطق الخبير الذي يعيش تلك المدينة كمن نشأ فيها، فلا أثر لكونك أجنبيا تزورها لأول مرة.

أبقى في موضوع الهواتف الذكية، وأشير إلى التطبيقات المتوفرة كدليل مساعد على التأقلم مع ظروف وأجواء البلد المزار، فهذا في حد ذاته عالم آخر أبدع في المبرمجون والمطوّرون أيما إبداع، يكفي أن تدخل “متجر التطبيقات” سواء في نظم Apple أو Android وتدخل كلمة بحث معينة لتصطف أمامك مختلف الأفكار الذكية على شكل تطبيقات ميسّرة منها المجاني ومنها المدفوع، ففيهما الكثير مما تتم الاستفادة منه في مجال الترجمة، كأهم المصطلحات المستعملة باللغة المحلية للدولة المقصودة، وأهم المزارات المنصوح بها، والعادات والتقاليد، وغيرها الكثير من المفاتيح المفيدة سياحيا.

موضوع الرفقة مما على أي مسافر أن يضعه نصب عينيه منذ البداية، فقد قيل الكثير بشأن رفقة السفر، وكلنا يعلم بانكشاف حقيقة العلاقات في الأسفار، لذا فاختيارنا مع من نسافر أمر جوهري له ما بعده، فإما أن يؤثر إيجابا لتبقي لنا كل لحظة من الرحلة ذكريات طيبة خالدة، وإما أن ترسّخ لنا لحظات سيئة -لا قدر الله- سرعان ما نتمنى نسيانها وطي صفحتها.

ولعدم الوقوع في مطبات كهاته، علينا التحلي بالصبر والأناة، وعلينا أساسا أن نتعامل بفضيلة التنازل، فالناس معادن تتمايز شخصياتهم وتختلف، وما يعجب هذا قد لا يروق لذاك، فأفضل أعداد الرفقة كما يقال ماكان فرديا، حتى وإن استلزمت قضية معينة تشاورا مالت الكفة بالضرورة لطرف دون الآخر.

النصائح التي يقدمها أي منا في موضوع الأسفار تبقى اجتهادية من وحي تجربة تصغر وتكبر نسبيا، يبقى الأخذ بها كلها أم لا قضية ذاتية تعود لصاحبها، وما يمكن أن أشير إليه في هذا الأمر بالتحديد، ألا نأخذ كل مراجعات وآراء من زار أي مكان في العالم على كونه صادقا أو كاذبا بشكل قاطع، والواقع أثبت مرارا ظلم “أمكنة” معينة ممن زارها، كون التقييم بشري يخضع لجملة عواطف وأحاسيس، كما لتفكير المسافرين ومزاجهم وبيئاتهم تختلف، فخذ لك طريقا لم يسلكه غيرك أحيانا، خاصة لو علمنا أن روح الأسفار وجوهرها في المغامرات.

السفر من بلادك لأخرى لا يعني هروبك من الرقابة، أو الإفلات من عيون كانت معك، فمبادئك في قريتك هي التي عليك التمسك بها في أي مكان، وأخلاقك تاج على رأسك تحملها معك أينما حللت وارتحلت، قدّم لنفسك مثالا طيبا يحتذى به بواقع حالك لا بلسان المقال بالضرورة، ولتكن إسلاما يمشي على رجلين، ودع عنك ما دون ذلك فلست سوى مخلوق تنقلت من أرض الله إلى أرض الله، فاتق الله في دينك وعرضك ومالك ونفسك…

:: ستتبع الموضوع حلقات إن شاء الله ولكن بعد جملة مقالات في تصنيفات أخرى… فكونوا في الموعد!

Exit mobile version