fbpx

عن زوبعة البكالوريا.. بين التهاني والتعازي!

من الصعب وربما غير المجدي مناقشة إنسان كبر وتربى على تقديس أشخاص في حياته كان يرى فيهم منتهى العلم وقمة الفهم، ولا شيء يمكن أن يضاف أو يطور بعدهم، والعالم كله عليه أن يضبط بوصلته بناء على أفكارهم وقناعاتهم وبصماتهم.

لكل جيل تحدياته ورجاله، وبقدر احترامنا وتقديرنا لمن سبق، وبقدر اعترافنا بجميلهم، وتجاوزنا أو تحملنا لأخطاء ارتكبوها عن حسن نية ونحن ندفع ثمنها اليوم، وكذلك نفعل مع من يأتي بعدنا، إلا أننا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نسلمهم عقولنا ومصيرنا، ونعتمد على حلولهم في إشكالاتنا المعاصرة.

من هنا برزت مؤخرا مواجهات كلامية عنيفة وصلت إلى درجة التنابز والقذف للأعراض للأسف بين فريقين أحدهما مؤيد والآخر معارض كالعادة للتفوق الواضح للطالبات في شهادة الباكلوريا، وتخريج أولى دفعات المؤسسات الحرة ضمن قانون الرقمنة واستفادتهن من الشهادات الأكاديمية المعتمدة من الدولة، وكأن قدرنا أن نعيش هذا التسفّل في كل مناسبة يحدث فيها شيء مستجد.

ليس بالضرورة أن أكون مؤيدا بشكل مطلق، أو معارضا تماما لأي قضية مركبة مثل التي أمامنا، فتشجيعي للتعلم واستحقاق الشهادة العلمية لا يعني بالضرورة دفعي لكل طالبة أو طالب للدخول إلى الجامعة التي هي دائما باعتقادي مسار ضمن مسارات كثيرة في الحياة، ولكن المبدأ الذي أرتاح للحكم تحت إطاره هو أن ما يعاب على الانثى لا يقل عيبا للذكر، وأن ما نتخوف فيه على الأنثى لا يقتصر عليها، فحتى الذكر معني بشكل عادل.

الخوف على البنت من الانحراف في الجامعة ينبئ عن اعتراف ضمني بإفلاس المنظومة الأخلاقية والتربوية لذلك الشخص الذي يعلن هذه القناعة أو حتى يتوجس منها، وبما أن البنت قد مرت بكل مراحل الحياة السابقة وهي محافظة متمسكة بحشمتها لتأتي مؤسسة كالجامعة فتهدد شرفها، فنحن أمام خلل كبير في النظرة والتصور نحو المناعة الذاتية التي تم غرسها في تلك البنت.

مظاهر الانحراف في عصرنا ليست صلبة مثل ما سبق، وإنما صارت سائلة متسربة عبر العالم الافتراضي، وإذا كانت هناك قابلية واستعداد فلا أحد ينجو منها، ولنا في واقعنا الكثير من الشواهد والوقائع من داخل أسوار الأسر التي اعتقدت أنها في منأى، ومن داخل المؤسسات التي رفعت شعارات العفة والطهارة، حسبهم أنهم اتخذوا كل الأسباب التي اعتادوا عليها، رغم أنها للأسف لم تعد كافية ومجدية مع عصرنا وتأثير العالم السيبراني (الإنترنت) المتنامي من يوم لآخر.

أعتقد أن موضوع تعليم البنت متجاوز عندي ولا أجد أي رغبة في فتحه كل مرة، أقول هذا وأنا أعيش وأرى نماذج طالبات متفوقات وهن ربات بيوت وأمهات متألقات دون أي عقدة وتضارب، وإن حدث وظهرت بعض النماذج السلبية فلا يجب علينا القفز على المنطق وربط ما لا يصلح ربطه، والذهاب سريعا للخلاصات والاستنتاجات بشكل متحامل عن خلفيات مسبقة، ويبقى الموضوع في الأخير قرار كل طالبة وأسرتها، أما من تملكه حماس زائد في القضية فليعمل في نطاقه الضيق وليحذر من ظلم قد يرتكبه عن جهل، وبعد سنوات وعند اكتشاف الخطأ لا ينفع الندم.

العلم ضرورة العصر ولا جدال في هذا إلا أنه من غير المنصف أن نربطه بالجامعة فقط، في وجود خيارات وبدائل إلكترونية كثيرة وأكثر نجاعة وملاءمة لطبيعة الإنسان المعاصر سواء كان ذكرا أو أنثى، بذلك يمكننا تفادي الكثير من المزالق والمشاكل التي تعاني منها الأسر بسبب نقص الدافعية نحو تحقيق شيء ذا معنى، ومن فقد المعنى فقد الحياة.

الكل يدعي الغيرة على المجتمع، إلا أن الله وحده يعلم المخلصين حقا، والميدان كفيل بفرز المجدين ورمي المدّعين، وكم من شخص يهدم من حيث اعتقد أنه يبني، وكم من مؤسسة زادت من حدة زاوية الانحراف من حيث اعتبرت جهودها لبنة في صرح المجتمع، وكم من فكرة دخلت غريبة وصارت رائدة، اعترف بها حتى من كانوا ألد خصومها، ومازلنا نعيش ونرى ونعتبر.

هذا المجتمع أكبر من أي شخص ومؤسسة وجيل، وأسباب وجوده أو زواله ليست بيدهم، مادام التدافع والتناصح والتنافس في الخير.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لقد تطرقت لأكثر المواضيع حساسية بالنسبة للمجتمع الجزائري على الخصوص، أتذكر جيدا كيف عارض الأغلبية أمي حين وافقت على دراستي في ولاية غير التي أقطن بها، ما يفسر الذي قلته في تدوينتك بالحرف الواحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى