مدونة جابر

علاقاتنا والبيضة الذهبية!

لكل قصة تمر علينا قصة، وفي كل منها عبرة وأثر، لا أدري إن مرت عليك يوما قصة الفلاح والدجاجة التي تبيض له كل يوم بيضة ذهبية، ومن فرط جشعه كإنسان حاول أن يحصل على البيض عوض البيضة، فشق بطنها ظنا منه أنها تكتنز كمية كبيرة فخسر كل شيء!

من وحي هذه القصة التي مررت بها قبل أيام في كتاب “ريح بالك” للدكتور محمد الملحم رأيته يشير منها إلى معنى جميل ومفهوم عميق، فكل من وما حولنا يكتنز بيضا ذهبيا لا يمكن الحصول عليه إلا بمقدار ووفق ظروف معينة، فإن نحن أحسنا التصرف حصلنا عليه وإن أسأنا فقدنا كل شيء.

تشتمل علاقاتنا بمن حولنا على كثير من المتغيرات، وهذا من طبيعة تعقيد الإنسان، فأشخاص نتعامل معهم بلطف وآخرون بقسوة، وأمور نتعامل معها بذكاء وأخرى بغباء، وظروف نتصرف فيها بفطنة وأخرى بسذاجة، وكل هذا دون معيار محدد، أو منهجية معقولة، إذ لو اعتبرنا وجود بيضة ذهبية علينا الحصول عليها في كل طرف مقابل لنا حللنا الكثير من الإشكالات ووفقنا لاعتماد الصواب في غالب ما نطلب.

الوالدان حينما يتذمران من طريقة تصرف ابن لهما إنما لم يهتديا لسر التعامل معه، ففي داخله بيضة ذهبية وأكثر لو يركزان جهدهما قليلا، سيصلان للوصفة التي تجعلهما يكسبانه ويظفران ببرّه وإحسانه، ونفس الأمر من الولد باتجاه والديه، وكصورة أخرى من الواقع نتأمل فيها بعلاقة سيئة لطالب مع أغلب أساتذته إلا أستاذا يرتاح إليه ويكن له كل الاحترام، فالفرق هنا أن ذاك الأستاذ الذي مثّل الاستثناء قد علم مكمن البيضة الذهبية لدى ذلك الطالب الذي اعتقد الأغلبية باستحالة تمرسه وإعادته للسرب، وكأن لا شيء فيه يصلح.

علاقة الزوجين كذلك يمكن أن تكون محط عيّنة لهذا المفهوم، فلا يوجد إنسان يطابق الآخر مطلقا ولو كان توأما، لا نفسيا ولا عاطفيا ولا ذهنيا إنما لكل بشر مزايا وخصوصيات وتفاصيل مختلفة، والعلاقات الناجحة ترتقي وتسمو حينما يعرف كل طرف سرّ راحة الآخر فيستثمر فيها، ويتجنب كل ما يزعجه أو يفقده راحته.

في مجال العمل أيضا هناك علاقة متواصلة بين فريق العمل، وبين الموظف ومديره، وبين الموظفين أنفسهم، ومع الزبائن أيضا والموردين، ففي داخل كل منهم أكثر من بيضة ذهبية بكل تأكيد، يبقى العمل على كيفية استثمار الأخلاق والقيَم بصدق وإخلاص وإحسان للحصول على الكنوز الموجودة داخل كل منهم، معنوية كانت أم مادية.

في موضوع القدوات أيضا يمكننا استثمار هذا المفهوم، إذ كثيرا ما يصدمنا من كنا نرى فيه قدوة ومثالا بتصرفات أو تصريحات مجانبة للصواب من وجهة نظرنا، فإن اعتبرنا أن ما نستفيد منه في بعض المواضيع بيضا ذهبيا وتركنا ما عدا ذلك كنا مرتاحي البال، علما أنه لا يوجد إنسان كامل الأوصاف، معصوم الأخطاء.

وصورة أخرى تتجلى حينما يكون سعينا وراء مصلحة خاصة، تستلزم تقديم بعض التنازلات للحصول عليها، فنجد أنفسنا أمام لغز محير، فإلى أي مدى يتم التنازل؟ وهل المبادئ معنية أيضا؟ هنا علينا تقدير الضرر والحاجة لتلك البيضة وضرورتها في الحياة، والحكيم من درس القضية من كل زواياها المتعددة غير مقتصر على جبهة دون أخرى، وغير مغفل للاستشارة وحتى الاستخارة إن استلزم الأمر.

حاول أن تنظر لمن حولك بمنظار البيضة الذهبية، متقينا أنه لا يوجد إنسان مهما كان لا يملكها، فإن أنت بلغتها فقد أصبت، وإن لم تفعل فالخلل غالبا منك، وكما أنك ترى فيهم نقصا وعيوبا فلا تخلو أنت كذلك منها، فمن جهتك أيضا اجعل البيضة الذهبية منك في متناول من يستحقها ومن لا يستحقها، مع تفاوت في البذل والجهد طبعا!

Exit mobile version