مدونة جابر

ذهنية السياحة بين التأثّر والتأثير!

الموسم موسم سياحة في بلدي، مع أن كل أيام العام تصلح ليكون الإنسان فيها سائحا في الجزائر لما تزخر به من لوحات فنية خارقة أبدع صنعها ربنا عز وجل، ففي الجزائر وعلى مدار العام تعيش الفصول الأربعة يوميا، رغم ما طالته يد الإنسان فيها من تقصير وتخريب دون نكران جهود بسيطة في إطار التحسين.

السياحة ككل مجال لها فنونها وأعرافها، وباختلاف المعتقدات والشعوب والأماكن فلكل منها خصوصياتها ومميزاتها فيما يخص التفاصيل والفروع أما الفكرة العامة فهي واحدة مشتركة تقريبا، فوراء كل كيان سياحي قوي جانب الفكر والمنهج وجانب الوسائل والآليات كالخرائط والفنادق والمنتجعات و…إلخ، ولعل ما يغرينا كثيرا هو الشق الثاني مع أن الأول هو الأهم والأولى إلا أننا نستورده كما هو مع وسائله وآلياته من نماذج مهيمنة مسيطرة حاليا بفضل فعالية فكرتها.

فإن أردنا أن تشيد فنادق مصنفة أو معترف بها في منظمات -تصف نفسها بالعالمية- نجد أنفسنا مرغمين على التقيد بنظم وضعية يلزموننا بها كالخمور ومرافق الفسق واللهو، وهذه أمور موجودة في كل بقاع العالم بسبب قوتهم فكريا إذ أصبح نموذجهم هو القائم وهو الأصل فيما غيره يعتبر شاذا واستثناء، وهذا ما جره إلينا التقليد الأعمى واستيراد الأنظمة مغلفة معلبة بسمها وعسلها.

استيراد التجارب من هنا وهناك ولصقها دون تمحيص ولا تحليل ودون اعتبار للخصوصيات، إشكال كبير لم يقتصر على السياحة بل تعداه للتعليم والتجارة وغيرها من المجالات، مع أن الاستفادة من التجارب السابقة مطلوب إن لم يكن واجبا لإحداث أي تطور وبلوغ أي إنجاز، إنما يضاف لها ما يضاف وينزع منها كل ما يشوبها مما يتعارض مع أعراف وفكر العيّنة المراد تطبيق التجربة عليها، ولعل تخوّف المجتمعات المحافظة من موضوع السياحة كان مخافة هذا الإشكال حينما رأوا لها تطبيقات سيئة في تجارب مجاورة.

الإرشاد السياحي من أهم الحلول للتحكم في الظاهرة، وقيادتها نحو بر الأمان، فالسائح من جهة لا يحس نفسه تائها في أرض لم يعهدها من قبل، كما يلزم من جهة أخرى باحترام بعض الحواجز وعدم تعديها أو القفز عليها، ومن أمثلة ذلك ما نرى في بعض الدول التي فتحت بابها على مصراعيه في وجه السياحة بحرية تكاد تكون مطلقة، تفوق أحيانا كثيرة تلك الحرية التي يجدها السائح نفسه في بلده! لا لشيء إلا لهثا وراء ابتسامة أو مجرد رضا عنها فضلا عن الأموال، مع أن الأموال يمكن أن تأتي دون تمريغ أو تنازلات لحد الإفراط.

لكل دولة تحترم نفسها وشعبها بالدرجة الأولى أن تفرض بلياقة وحكمة على السائح الأجنبي أو الوطني الالتزام بقواعد محددة من باب الآداب والذوق السليم قبل أن نتحدث بما هو من الدين، فالإسلام دين عظيم ولا يبيح أو يمنع أمرا إلا هو موافق أو مناف للفطرة، ومن تمام اعتزاز الإنسان بثقافته إلزام غيره بتفادي كل ما يخدشها أو يضر بها، ومن طبع الإنسان أنه يحترم من يحترم نفسه.

ربما نفهم من إلزام السائح لاحترام أعرافنا وثقافتنا إرغاما وتقييدا لحريته، وهذا سوء فهم بل الحكمة واجبة هنا والتدرج مطلوب، وحين نلزم أي سائح بذلك الاحترام والتقيد لا يعني أن يكون ذلك في إطار اللباس والمظهر فقط، وهذا واجب لكنه بدرجة ثانية، إنما في الأول نسعى لإظهار تلك الثقافة في تصرفاتنا معه، فيراها فعلا لا مجرد أقوال، ومثال ذلك الالتزام بالمواعيد، فلا يعقل أن يلقي المرشد السياحي مثلا خطبة فصيحة متخمة بالأدلة والبراهين عن عظمة الإسلام والمسلمين، وفي الصباح يتأخر عن السائح بساعة كاملة عن الموعد، فيبرر له بكون هذا البلاء عام قائلا: “لا تظن نفسك في بلدك، فهنا تجري العادة هكذا”!!

التخصص في المجال السياحي واجب وضرورة من ضرورات العصر في رأيي، فهو يسير جنبا إلى جنب مع الأنشطة الدعوية التي تبذل لها الأموال والأوقات، وتطويرها مطلوب مع متطلبات العصر، فكيف بالسائح يأتي إلى غاية منبع الماء ولا يشرب! والتجول والسياحة والتأمل من صميم الدين باعتبار إطارها الديني، ومن جوهر التسويق إن أردنا تصدير صورة طيبة عنا كشعب أو أرض، كتاريخ وحاضر وحتى مستقبل.

ما نراه حاليا من معاهد السياحة أمر مخز في غالبه للأسف، فمعايير الانتساب تخضع للمظاهر دون الجواهر، تركز على تطبيقات مستوردة كليا غير ذاتية، توفر لنا آلات سياحية لا كفاءات، كل ما عليها فعله هو الابتسامة للسائح إن أصاب وإن أخطأ، لا يهمها فعله بقدر ما في جيبه من دنانير، وعوض أن تؤثر فيه بثقافتها وأصالتها، تكون ضحية فعاليته فتتأثر به وتسعى لكسب وده بتقليده، وهنا الطامة الكبرى حين ينقلب المغزى وينعكس الهدف وبنحرف عن مساره انحرافا ذريعا.

ما نريده هو إعادة النظر في المعاهد التي تخرّج مهندسين في السياحة، ليعملوا على شكل فرق عمل ممنهجة، يتغير أفرادها حسب التخصص من جهة وحسب الفئة المستهدفة من جهة أخرى، فرعاية وفد أوروبي سياحيا ليس كالخليجي أو العربي، وهنا تتغير الأولويات وحتى الخطاب يتباين بينها، وعن الفريق فيكون فيه متمكنون في أصول الضيافة والاستقبال بمختلف اللغات، بالإضافة إلى متخصصين في التسويق، بل حتى متخصصون في علم الاجتماع والشريعة والفكر…إلخ، ولم لا يكون القرآن الكريم والسنة مصدرا قويا من مصادرها؟ على شرط أن يكون خطاب كل منهم مدروسا وملائما للظرف والموقف، بهذا يكون العمل جماعيا مؤسسيا بصفة دقيقة منظمة.

يكون تعاون هذه الفرق مع وكالات السياحة التي تقدم عروض الرحلات المنظمة للمؤسسات أو الأفراد، فترتب لهم كل أمور الإقامة والتنقلات ببرامج شيقة محضّرة مسبقا، تستغل فيها الأوقات لجلسات حوارية ومناقشات راقية، وكما لا يرتاح السائح إلا بملء ذاكرة آلة تصويره بالصور والذكريات، فعلى المرشد ألا يرتاح إلا وعقل السائح يفيض معلومات وانطباعات طيبة عن المدينة فكرا ومعارفا، بهذا تتعزز ثقة السياح التي تجعله ربما يغير الكثير من مواقفه المسبقة نحو الأفضل، بل سيدعو غيره لتجربة الفكرة أينما حل وارتحل.

ومع هذا فلا تقتصر السياحة على المتخصصين والمثقفين، فهؤلاء يقومون بالتأطير والتنظيم، إنما هي مسؤولية موزعة على جميع أفراد المجتمعات، كل حسب طاقته، ولعل أبسطها ثقافة الابتسامة، فلنعمل على توفير ما يقر عين كل زائر لنا، ممن جاء فعلا أو أطل علينا افتراضيا، وإعطاء صورة طيبة عن ثقافتنا أولى الخطوات، فلنحرص على تفعيل روح السياحة فيما بيننا لنتوسع فيها آليا حين يحين الوقت، كما يكون النداء أيضا لوسائل الإعلام فالدور كبير عليها في تحسين الأداء أو تعطيله وإنزاله لما دون المستوى.

ابتداء إن استوعبنا فكرة أن السياحة من صميم الجهاد الدعوي، فسنعمل لأجل تحقيقها خالصي النية لله عز وجل ونحن في إطار العبادة وجوهرها، شرط أن نحيط بجوانبها إحاطة عميقة ونستثمرها إيجابيا لتعود لنا بالنفع بتصحيح مفاهيم أو بثها في من يأتينا سائحا حول ديننا ووطننا وثقافتنا، الأفكار تحتاج لجهود كبيرة بالفعل، كل ما أرجوه هو أن ترى النور يوما ما على يد رجال مخلصين.

Exit mobile version