في الحلقتين الماضيين من سلسلة مقالاتي حول مؤتمر شباب رجال الأعمال المقام في تركيا [(1) و (2)] تحدثت عن الجانب التنظيمي للحدث، ودخلت قليلا في تفاصيل المداخلات التي جاءت في البرنامج، وهذه المرة سوف أذكر مجموعة من الرسائل المباشرة وغير المباشرة مما استفدت وانقدح في ذهني كشرارة أفكار يمكن العمل عليها طلبا لنتائج طيبة وسعيا في سبيل تطوير وتحسين عمليات الإدارة سواء للأعمال أو الإنسان، وكذا تصحيحا للعديد من المفاهيم وضبطا لبعض التصورات والتأكيد عليها من خلال النماذج والخبرات الهامة المشاركة في المؤتمر، فالأجمل فيه أننا كنا أمام تجارب حية معاصرة ومن الواقع.

كنت ألخص أهم النقاط في دفتري الشخصي، ولكن لسرعة تدفقها كان المحاضرون يسبقونني مرارا، مع ذلك اصطدت الكثير منها وكنت سعيدا بصيدي الثمين، فعلا هي فرصة لا تتكرر دائما، وإن جاءت فلا خيار أمامي إلا استثمارها، وبعد مضي مدة من عودتي لأرض الوطن والدخول في وتيرة الأعمال اليومية، عدت أقلب أوراق ذلك الدفتر لأجد الكثير مما يجب أن أكتبه علّي أفيد به قرائي الأفاضل، ومن هذه النقاط أكتب ما يلي:

  • الاختيار الصعب:

في مجال إدارة الأعمال على المستثمر أن يسعى دائما للتحديات الصعبة ولا ينزوي لما لا اجتهاد فيه ولا جهد، فإن أردنا أن ننال الطموحات الكبيرة فلا بد من تكبّد المشاق، وتسلّق المصاعب، وركوب المخاطر، فنحن بذلك ندخل اختبارات عسيرة هي بمثابة تدريب لنا، واختبار لقدراتنا وأخلاقنا وقيمنا، والخيار الصعب يبدأ من لحظة دراسة العواقب والتهديدات، إلى الإقدام في الميدان، والنتائج بإذن الله طيبة مفيدة في الأخير.

  • أسباب نجاح مادية آلية وأخرى إنسانية روحية:

كل نجاح يسنده جهد بشري جماعي فإن مداه وأثره يكون عميقا، فجميل أن نذكر فضل من معنا في تلك النجاحات، ونعتبر لهم وزنهم وقيمتهم، سواء ممن أعانونا بصفة مباشرة، أو ممن خلف الكواليس بدعواتهم ومساندتهم المعنوية الروحية، أبوان كانا، أو إخوة، أصدقاء وأحباب، موظفون وشركاء، فلا يعقل أن يوكل كل النجاح لأسباب مادية بحتة، واجتهادات فردية عبقرية، إنما من هذا وذاك يكتمل الإنجاز وتتحقق الفتوحات (1)

  • ابدأ السباق مستهلكا ولكن لا تصل إلا وأنت منتج:

يبدأ المستثمر ورجل الأعمال رحلتهما العملية بالتقليد والتأثر بالتجارب الناجحة في مختلف بلدان العالم، والذكي منهما من يستفيد منها لرؤية بعيدة المدى، تتمثل في اكتساب المهارات وأصول المهنة وأسرارها، والإحاطة بجوانب التخصص ونقاط قوته وضعفه، ثم بعدها العمل في مرحلة الإنتاج والابتكار، وهذا شأن كل التجارب الناجحة حين نتأملها، فلا يحدث التأثير من أول وهلة، إنما هناك عمل بالمراحل، وربما تستغرق كل مرحلة عدة سنوات، فهذا لا يهم بقدر ما يهم وجود خطة، ومسار واضح المعالم، فالعبرة ليست بالأرقام فقط في الأخير بقدر ما تكون بمن بيده مقاليد الأفكار.

  • الموارد البشرية مركز الاهتمام وبؤرة التركيز:

الشركات التي فهمت جيدا ووعت طبيعة المرحلة ودقائق تفاصيلها تسارع وتسعى للاستثمار في مواردها البشرية، هي دعوة دائما ما نسمعها ونكررها، ولكننا في الحقيقة لم ندرك إلا جزءا يسيرا منها، إذ يخيل إلينا أن الاستثمار في الموارد البشرية يعني فقط الاهتمام بالأجور والشروط المادية وبذلك نضمن تطور الشركة وتفوقها، وهذا فهم قاصر لا يؤدي إلا لنتائج عكسية، إنما الاستثمار في معناه الحقيقي يعني أن نهتم بكل فرد في شركاتنا ونشعره حقيقة بدوره الكبير حينما يكون جزءا من فريق عمل كفء فعّال، وعندما نفهم جيدا احتياجاته ونتعامل معه كإنسان أولا لا كآلة منتجة، فنكوّنه تكوينا جيدا، وندرّبه على الآليات ونجعل منه إنسانا فعّالا صاحب قيم ومبادئ ذاتية عميقة، قائما بواجباته قبل المطالبة بحقوقه، نعم هي معادلة صعبة لكنها بالعمل الجاد ممكنة.

  • القيم والمبادئ في كل جوانب الحياة:

ما فائدة الأموال التي نجمعها إن لم تكن طريق الحصول عليها مشبعة بالقيم والمبادئ الفاضلة؟ فليس من الحكمة أن نشيد بقيمنا في مجالات معينة ولكننا نغفلها في أعمالنا وتجاراتنا أو العكس، فالإنسان الناجح وبالتالي الشركة الناجحة وبالتالي المجتمع الناجح يعمل دائما ليبلغ مرتبة يكون فيها متكامل المفاهيم، متناغم المبادئ والقيم، يعيش اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا معتمدا على التوازن، منتهجا السلوك القويم، النابع من ذات حضارته، متفاديا الوقوع في المتناقضات، وبذكاء يميز الأفكار المستوردة ويرشحها، فيستلهم الطيب ويدع ما دون ذلك.

هي مجموعة من المفاهيم المختارة، ويوجد الكثير غيرها، حاولت أن أستخرجها من الدفتر وأعرضها هنا بأسلوب مبسط قدر الإمكان، على أن أواصل مقالات في نفس السلسلة بشكل متواصل أو ربما حتى متقطع بفواصل ومقالات من تصنيفات أخرى، وأرحب دائما بإثرائكم وملاحظاتكم.

—————————-

(1) في الموضوع طالع مقال: فريق العمل الناجح… تراحم ثم تعاقد!