من نعم الله علينا أن يهبنا أياما لا تنسى، ولحظات ترسخ في الذاكرة لتترجم أفعالا وآثارا إيجابية في أرض الواقع إن شاء الله، هذا ما كان في الأسبوع الماضي يومي 6 و 7 ديسمبر 2013م، حين حضرت مؤتمرا عالميا لشباب رجال الأعمال، في العاصمة التركية اسطنبول وقد ضم أكثر من 3500 مشاركا.

المؤتمر من تنظيم منظمة موصياد MÜSİAD وتحديدا جناح شبابها الفاعلين باسم شباب الموصياد Genç MÜSİAD والتي تحوي تجمعا للآلاف من رجال الأعمال في تركيا، إذ كانت الأجواء راقية جدا سواء بالحضور النوعي للمشاركين، وكذا بالمستوى العالي للمحاضرين والمتدخلين، وقد سجلت طيلة اليومين عدة نقاط عملية، وملاحظات لاقت تقديري واحترامي لشباب يعملون بجد وإتقان كبيرين، مع التزام بالقيم والأخلاق، وبالجذور والأصول، وسأحاول أن أنشر سلسلة مقالات أتناول فيها جانبي التنظيم والمحتوى، راجيا إفادة كل من سألني وكذا من يهتم بمثل هذه المناسبات.

الرحلة إلى تركيا لم تكن الأولى فقد سبقتها رحلة قبل عدة أشهر وكتبت عنها حلقتين (1 و 2) لذا فقد وجدت امتدادا لما رأيت في الأولى، وفهمت أمورا أخرى كانت شبه غامضة، وكذا وقفت على مؤشرات ومسببات أكثر عمقا وتحليلا للوصول لما وصلوا، فلا يأتي أي نجاح من فراغ، ولا يعتبر ما بلغوا سحرا أو أمرا خارقا للعادة، فعندنا ما عندهم وأكثر، ونمتلك الأسس والمنطلقات نفسها وربما أفضل.

الرفقة الطيبة التي كنت معها أضافت الكثير للأوقات الجميلة التي قضيتها هناك، فقد كانت لدينا فرصة الاحتكاك، والحوار والمناقشة مع رجال الأعمال الأتراك والضيوف الذين حضروا مثلنا من خارج تركيا، وكذا الإثراء والنقاش الذي دار حولنا في كل مرة، فكانت الاستفادة مضاعفة وواضحة.

اختار القائمون على هذا المؤتمر عنوانا جميلا عميقا: الرزق والمخاطرة في عالم الأعمال Iş dünyasında “RIZK-RİSK İkilemi فكانت معالجة الموضوع رائعة جدا من كل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والفكرية، والأجمل من هذا كله أن كان الطرح إيمانيا علميا دون أدنى خدش أو خلل لأي جانب من الجانبين، وهذا ملحظ مهم أعود إليه لاحقا.

أول ما سلب الأنظار هي قمّة التنظيم والاستعداد لهذا الحدث العالمي الرابع من نوعه بالنسبة لمنظمة موصياد Genç MÜSİAD فيما يقام مؤتمر عالمي آخر من المنظمة الأم MÜSİAD نفسها أكبر حجما وتأثيرا، وفكرته أساسا تعتمد على عرض ومناقشة مفاهيم عميقة في عالم الاقتصاد، كما تعرض هناك أيضا تجارب الحياة لأكبر رجال الأعمال نجاحا في تركيا وغيرها، وتناقش من الشباب الحاضر، فيستلهموا ويقتدوا ويكسروا الحواجز والعقبات.

مكان إقامة المؤتمر Haliç Kongre Merkezi كان راقيا لأبعد مستوى، وشخصيا لم أدخل أجمل منه وأكثر تطورا من قبل، فقد استخدمت فيها آخر التقنيات فيما يخص الإضاءة والصوت والهوية البصرية للمؤتمر، وهذه اللمسات تضفي للحدث نسبة كبيرا من النجاح فضلا عن محتوى المحاضرات ونوعية المداخلات، فخلفية المنصة مثلا كانت بحوالي 38 متر بالطول و 8 بالارتفاع، كلها شاشة عملاقة متناغمة مع كل فقرات المؤتمر، إذ يظهر اسم المحاضر وصفته كلما بدأ في الحديث، وكذا برمجت مع بعض المحاضرات إذ تتغير الصور والشرائح من فكرة لأخرى، وهذا أيضا عامل مهم للتركيز والاستيعاب.

عن الحضور فقد كان الوزن ثقيلا، فبداية بنخبة من الوزراء في تركيا إلى مدراء شركات ناجحة لها بعدها العالمي، وخبراء أتراك ومن بعض دول العالم قدموا عصارة تجاربهم وخبراتهم ببساطتهم وتواضعهم اللافت، فهم قد قدموا دروسا في القيم والأخلاق قبل الاقتصاد وعالم الأعمال، وهي نقطة أخرى تحسب لهم وتضفي للحدث المزيد من الاحترام.

أما عن اللغة فقد كان المؤتمر بالتركية غالبا مع توفر جهاز الترجمة للعربية والإنجليزية، إذ يتم جلبه من مكتب في الاستقبال بتقديم جواز السفر أو البطاقة الشخصية، وهذا يضمن إعادته لمكانه بعد الاستعمال لاسترجاع الجواز أو البطاقة، كما كانت هناك محاضرات باللغة الانجليزية ممن حضر من ماليزيا وأمريكا، وباللغة العربية من محاضر من المملكة العربية السعودية.

أكتفي بهذه الإشارات في المقالة الأولى، وسأتناول في الحلقات المقبلة جوانب أخرى تنظيمية ومن محتوى المحاضرات الغزير، وأرحب بأسئلتكم واستفساراتكم، فتابعوني…