مدونة جابر

خواطر من رحلتي إلى أوروبا… إلى أمستردام (3)

من الأمور المستغربة لدى زائر أوروبا تلك السهولة في التنقل بين دول الاتحاد الأوروبي، فرغم كوني قد سمعت بهذا قبل تجربته إلا أني كنت دائما أحتفظ ببعض الشك في داخلي، حتى زال اليوم لما زرنا أمستردام عاصمة هولندا ليوم واحد…

كانت إقامتنا في بروكسل البلجيكية، وقررنا السفر إلى هولندا لاكتشاف مدينة الجسور والأنهار والدراجات الهوائية والعودة في آخر اليوم، فكان البرنامج غزيرا فاق التصور، حتى تطلّب مني كتابة خاطرتين لأجله وهذا أولاهما…

المسافة حوالي 200 كلم بين العاصمتين والمدة الزمنية ساعتان ونصف تقريبا، كما أن وسائل النقل متوفرة بكثرة، ومن خلال استشاراتنا نُصحنا بحافلة شركة Euro Line التي تذهب صباحا وتعود مساء، وفعلا حجزنا بيوم قبل الموعد، وانطلقنا لوجهتنا صباحا…

الجميل في أوروبا والملفت رغم أنها قضية منطقية لا تستحق الثناء والاهتمام ولكن بيئاتنا الفعلية المنفصمة عن فكرنا تحتّم علينا تسجيل مرور عليها وعدم تركها مع البديهيات، وهو أنه يمكنك دون عناء في أوروبا ضبط مواعيدك بالدقائق والتوكل على الله وستحققها بإذنه، فكل الوسائل متاحة لتنفذ برامجك بأريحية، ولا تبدو لك العقبات الوهمية إلا نادرا.

وصلنا محطة الحافلة عن طريق الميترو وركبنا حافلة أنيقة نظيفة، ومن حسن حظنا أن السائق مغربي له جنسية هولندية وكان مقيما فيها سابقا لسنوات، وهو حاليا مقيم في بروكسل، فقد أفادنا كثيرا بالمعلومات الضرورية لتحقيق أقصى استفادة من جولتنا في أمستردام، وهذه من نعم الله في الأسفار حين يذلل لنا بعض الصعوبات ويسخّر لنا ما يفتح لنا آفاقا لم تكن مبرمجة لدينا من قبل…

في الطريق من بروكسل إلى أمستردام سرحت بخيالي بعيدا وأنا أشاهد تلك الغابات والمساحات الخضراء الآسرة الممتدة من كل جانب، كما أن الطريق السريعة مصنوعة بأرقى المواصفات والمعايير، فالإنسان هنا استثمر حقا قيم الإتقان والإبداع والتفاني وجسّدها مشاريع ملموسة يستفيد منها كل مستعمل لها فيشكره ويدعو له بكل خير…

مررنا بالمنطقة الصناعية لبروكسل وهي في حد ذاتها تحفة جعلتني أدرك سببا من أسباب الجودة الأوروبية التي تميز منتجاتهم، فالمحيط هادئ ومريح ومرتب بشكل يفوق التصور، رغم وجود الشاحنات الكبيرة بعدد كبير، إلا أنها زادت للمنظر جمالا وهيبة توحي لكل ناظر إليها بحجم الحيوية والتحفيز الذي تقدمه منطقة صناعية كهذه للمزيد من الإنتاج والتصنيع…

اللمسة الجمالية أيضا حاضرة بقوة في تلك المصانع بمساحات خضراء وأزهار في كل مكان، ولافتات مميزة معبّرة، مع طرق معبّدة واسعة، وأسوار نباتية في حدود المتر الواحد تسوّر فناء وموقف سيارات كل مصنع، مما يعبّر بشكل واضح عن مستوى الأمن والأمان الذي تزخر به المنطقة…

بعدها وعلى مد البصر تبدو الأراضي الزراعية بمختلف محاصيلها منها ما هو أخضر ومنها ما حرث بدقة متناهية، ولأول مرة أشاهد طريقة حرث كهذه حتى ظننت وكأن الأرضية مفروشة بسجاد فاخر وليست تربة محروثة، وعن الأبقار وقطعان الخرفان والبيوت البديعة المبنية في كل أرض من تلك الأراضي فحقا هي مما شاهدناه كثيرا في القصص المستوردة من هناك أو الرسوم المتحركة ذات يوم…

كانت لنا وقفة في محطة استراحة على مشارف الحدود الهولندية، مجهزة بكل وسائل الراحة حقا لا مجرد لافتات فقط، وفي مواقف السيارات “المجانية” خارجها أمكنة مخططة لكل وسائل النقل من الدراجات الهوائية إلى السيارات والشاحنات والحافلات، وفي منظر متناغم بديع…

لم تكن هناك أية علامات للخروج من دولة بلجيكا والدخول إلى هولندا إلا بتغيّر أعلام الدولتين، ولا يحسّ بالمشهد حقيقة إلا “العربي” الذي سيّجت بلاده مشرقا ومغربا لأسباب وهمية بتكرارها على مسامعه اقتنع بها وصارت لديه كالعقيدة، فراح يتغنى بها…!

أما عن الوصول إلى مدينة أمستردام وأحداث الرحلة، فسأتركها للحلقة المقبلة إن شاء الله…

Exit mobile version