مدونة جابر

خواطر من الملتقى المغاربي التركي بتونس (2)

في الجزء الثاني (*) من حديثي حول الملتقى المغاربي التركي المقام في تونس شهر فيفري الماضي أحاول أن أستحضر أهم اللحظات، وأقدم ملاحظات وقراءات هدفي منها إفادة القارئ بما يزيد فيه إن شاء الله، سواء في الجوانب التنظيمية أو محتوى البرنامج المتنوع.

الاستقبال في الفندق كان جيدا، وبما أن مدينة الحمامات مطلة على شاطئ جميل فلم نجد هناك الكثير من السياح بما أن الفصل لازال شتاء، مما أضفى جوا هادئا ساحرا، وعن النقل فوفّر المنظمون حافلات سياحية تنقلنا بين محطات الملتقى، والتي كان جلها تقريبا في تونس العاصمة، وفي كل رحلة من رحلاتنا بالحافلة قصص ولحظات جميلة برفقة المشاركين الآخرين باختلاف أوطانهم وأعمارهم وتخصصاتهم واهتماماتهم، حتى إني أعتبر الطريق من الحمامات نحو العاصمة جزء أساس من أجزاء الملتقى.

زرنا مرة متحفا للعهد التركي بتونس، ووقفنا على جوانب من التاريخ الذي صنع أمجاده أشخاص قد رحلوا من الدنيا وتركوا الأثر خلفهم، فماذا نحن تاركون بعدنا يا ترى؟ وكانت زيارة المتحف أيضا فرصة للقاءات جانبية وتبادل معارف ومعلومات قيّمة مع ضيوف الملتقى مثلنا، كما زادت روعة الجو اللطيف بعدا آخر للجولة السياحية.

في مبنى الملتقى كانت هناك مرونة في الاستقبال فسرعان ما وجدنا أنفسنا في القاعة مرورا بمعرض لمنظمات المجتمع المدني، والملاحظ فيه الكثير من المبادرات والأفكار التي كانت حبيسة المنع والقمع في زمن سابق، إذ لم أعهد تونس بهذا الانفتاح خاصة أني في كل مرة أقارن بين زيارتي هذه والزيارة السابقة، فالأولى عام 2010، وكلنا يعلم حال تونس في تلك الفترة، ولكن مما أسجّل عليه ملاحظة أخرى هو ضرورة حسن توجيه الحرية والانفتاح فلا يكون للطرف النقيض الآخر، والتوازن جميل في كل شيء، فأملي أن يعي الإخوة في تونس هذه النقطة جيدا.

حفل الافتتاح كان عفويا وسريعا، وقد حضره رئيس الجمهورية التونسي الدكتور محمد المنصف المرزوقي، وألقى كلمة بالمناسبة أثنى فيها على المبادرين والقائمين على الملتقى، وفتح قلبه نيابة عن الشعب التونسي مرحبا بكل مبادرة من شأنها أن تحقق المنفعة المتبادلة، كما ركز على حلم المغرب العربي، وكيف أن الجزائر قلب الفكرة وجوهرها.

وعن الندوات والمحاضرات فكانت متنوعة من الضيوف المشاركين، منها ما كان قيّما ومنها ما كان مجاملات ووصف وكلام فقط، وكل من يهتم بتفاصيل الأمور سيلاحظ التباين في المستوى من مشارك لآخر، مما أرجو أن يتنبه إليه المنظمون لاحقا بجهد أكبر في انتقاء الضيوف المحاضرين، ليكونوا على قدر من المسؤولية في والمستوى الملائم لحجم أمثال هذه الفعاليات.

فرصة جيدة أخرى تمثلت في إتاحة الفرصة لنا وتنظيم لقاءات ثنائية مباشرة بين أصحاب التخصص والاهتمام المشترك، بما يصطلح عليه في إدارة الأعمال بـ B2B، فالاستفادة غزيرة بالأسئلة المطروحة والإجابات الوافية الشافية لها، وهو عالم اكتشفته لأول مرة بهذا الشكل ولمست حقا فعاليته ونجاعته.

على هامش الملتقى الاقتصادي تلمس النشاط الكبير لمن أتى مشاركا في الشق الثقافي للملتقى مما أثر سلبا في رأيي بشكل كبير، فبعض الفرق الموسيقية تجاوزت الحدود في صخبها وابتذالها، غير مراعية لأي حرمة ربما لرجال الأعمال الذين حضروا من مختلف المشارب لأهداف تجارية جادة ومباشرة، ليجدوا اللهو المبالغ فيه لحد بعيد وكأن أصحابه فعلا قد بلغوا كل هدف لديهم من تنمية وتطوير ورقي، فللأسف هذه نقطة سوداء جعلتني حينها أفكر في مغادرة الملتقى لولا التزامي برأي رفاقي.

من جانب آخر كان لي ذكريات جميلة في زيارتنا لمدينة القيروان الهادئة الكريمة، فروح التاريخ يغمر كل زاوية منها، وكرم ضيافة أهلها أضفى لها شوقا خاصا لدي لأبرمج لها زيارة أخرى لاحقا إن شاء الله، وكم كانت الفرصة جميلة حينما تشرفت بزيارة جامع عقبة بن نافع، واستذكرت دروسي في الفتح الإسلامي، فتحية خاصة للقيروان ولأهل القيروان.

أشكر كل من كان هدفه راقيا هناك وقد لمست هذا كثيرا، فالنوايا الطيبة موجودة وبكثرة ولو بصوت مبحوح، فقد تعرفت على أصدقاء جدد، وبنيت علاقات جيدة، وأضفت لقاموسي الكثير من المفاهيم والأفكار والرؤى والتصورات، والشكر أيضا لإدارة الملتقى التي سهرت على إدارته وتنظيمه واجتهدت في سبيل خدمتنا كضيوف للملتقى ولتونس الخضراء عامة.

—————

(*) للاطلاع على الجزء الأول.

Exit mobile version