في بداية هذه الحلقة أحاول بداية شكرا كل من اهتم وتفاعل مع الموضوع وتواصل معي مستفسرا ومثريا وملاحظا، وإذ أحاول ما استطعت تقديم صورة متوازنة واقعية بعيدة عن التفاؤل المفرط، أو التشاؤم القاتم، وهو مأزق يقع فيه الكثير ممن هو خارج المجال عموما، وحتى من بدأ مسيرة جديدة يرجو منها نتائج آنية عاجلة بناء على وعود ربما وجدها في بعض دورات التكوين المتعلقة بالتصدير، أو من خلال اطلاعه على قصاصات الجرائد وعناوين شريط الأخبار في القنوات الجزائرية، والتي تصبغ مادتها الإعلامية بالسياسة دائما، وهذا ما سأتناوله في هذه الحلقة بالذات.

إيمانا منا بمبدأ مشاركة المعلومة الصحيحة، والمساهمة في توفير بيئة أعمال وطنية احترافية لأنها السبب الأساسي لأخلقة المجال ورفع المستوى المهني لكل المتعاملين كي نحظى بسياق خصب منافس يدفع بعجلة التصدير نحو الأمام، وهو ما وجدناه ضمن جولاتنا وزياراتنا للدول التي تتبوأ مراتب متقدمة في التجارة الدولية، وربما كان هذا الاتجاه لنا نعمة ونقمة في آن واحد، بما حظينا به من تقدير وعلاقات نوعية من الأوفياء والمخلصين وضعوا فينا ثقتهم وهم الأغلب والحمد لله، بينما كانت نقمة علينا باستغلال المعلومات بشكل سلبي من بعض أشباه التجار واتهامنا بالتعقيد، وهو ما سبب بعض الخلافات التافهة لتضارب المعلومات التي نقدمها مع معلومات أخرى حصلوا عليها من مصادر أخرى غالبا ما كانت مجرد نظريات بعيدة عن الميدان.

من هنا يمكن أن نقول إن ممارسة التصدير بذهنية الاستيراد العشوائي هو ما أدى للاعتراف ببعدنا عن التموقع كدولة في الأسواق العالمية، وبقدر ما أحمّل المسؤولية للحكومة بأجهزتها في مرافقة المصدّرين بعدالة وصرامة والصبر عليهم، وكذا تحفيزهم بتوفير أدنى حقوقهم كوضوح المعلومات والإجراءات وعدم تغييبها أو التخبط فيها، والتحجج كل مرة بنقص الخبرة، لأن هذا غير مقبول على دولة بحجم الجزائر، وأيضا يتحمل الممارسون جزءا من المسؤولية بإعطاء الوجه المشرف للمنتج الوطني وعدم ابتذاله بتغليف سيء أو كتابة معلوماته باللغة الفرنسية دون الإنجليزية ولا حتى العربية، وهي ظاهرة تعبر عن نقص اطلاع وضيق أفق وحتى عقدة نقص لدى التاجر الجزائري.

في مختلف المجالات التي قمنا بالتصدير فيها، من المواد الغذائية إلى مواد التجميل والتنظيف والأدوات البلاستيكية والحديدية، يمكن القول إننا في كل مرة نخوض تجربة جديدة لا تشبه سابقتها، وهو ما أرهقنا كثيرا، فضلا عن العمل على وجهين، أولهما البحث والاطلاع على تفاصيل وإمكانية تصدير المنتج من الجزائر، وثانيهما البحث وأحيانا التكهن بمعلومات وتفاصيل عن إمكانية استيراد تلك المنتجات إلى البلد الوجهة التي نريد التصدير إليها، وفي ذلك تتدخل العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، ومدى التسهيلات أو العراقيل التي سنشهدها، وغالبا ما نجد الغموض هو سيد الموقف.

يحدث ذلك لأنه ببساطة نحن نتفاوض من موضع ضعف سواء كنا مستوردين بما أننا نحن المستهلكون، أو كنا مصدرين بمنطق الإلحاح والعرض لدرجة تقديم تنازلات مضرة لمنتجات معينة من بلد مغمور في التجارة الدولية لا يسمع عنه إلا ما يصدره من النفط والغاز، أو ما اشتهر منه من اللاعبين والفنانين، فعلا الصورة الذهنية للبلد تلعب دورا كبيرا في فتح الأبواب أو غلقها، ولنا في تركيا والصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية أحسن مثال، فالتاجر فيها لا يتعب كثيرا في عرض منتجه مقارنة بما نعانيه نحن الجزائريون، وهذا دور السفارات والمصالح القنصلية ومن خلفها سياسة الحكومة للتعريف عن هذا البلد القارة المظلوم من أبنائه قبل غيرهم.

بعد هذا البسط والوصف يتساءل سائل عن الحلول، وإن كنت دائما ما أتحفظ من التسرع في وصف الحلول بجرة قلم، ورمي التهم هنا وهناك للوصول لخلاصات مسبقة غالبا، سواء بجلد الذات أو الشكوى لنفي المسؤولية والتهرب منها، لذلك أنصح كل من هو في الميدان أو ينوي الدخول إليه أن يحاول الانصات لمن سبقه لكن دون إلزام، فليست كل النصائح والاستشارات صحيحة وإنما هي اجتهادات قد تتأكد وقد تثبت خطأها بالتجربة، وعندما نتقاسم جميعا المسؤولية ونعترف بتقصيرنا ونسعى لإتمامه فالأكيد أن الأمور ستتحسن ولو بعد حين، ومن هنا كنصيحة مني أدعو الممارسين للانضمام بحكمة لمختلف الجمعيات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية المهتمة بالتصدير، لتشبيك العلاقات وتشارك المعلومات، وإيجاد بعض الحلول للإشكالات التي تعترض عمليات التصدير، وهذا كله دون الغوص فيها بشكل مبالغ على حساب العمل.

أمام كل هذا فقد حظينا بعلاقات نوعية مع مختلف المتعاملين في ميدان التصدير، سواء أشخاص أو مؤسسات، كلهم عزم وطموح وهمة لإعلاء راية الوطن من خلال تشريفه بتوصيل المنتجات للكثير من دول العالم، ولعلي هنا أذكر بخير كل من التقينا بهم في مختلف المعارض الدولية، أو في رحلات السفر، وبين شباب واعد، وشيوخ متطلعين لغد أفضل كنا نستلهم ونستفيد ونشحن عزائمنا كلما تملكنا شيء من التعب وكاد اليأس يقضي علينا، لكل هؤلاء أتقدم بشكري الخالص وأتفاءل خيرا بما ستحمله الأيام من إنجازات وبشائر.

يتبع في الحلقة القادمة..