Site icon مدونة جابر

السياحة البصرية “قرة العين”!

السياحة ليس لها موسم معين أو وقت محدد، وإنما يمكننا أن نمارسها في حياتنا العادية، ونستحضر أسسها في كل تصرفاتنا اليومية، فتنقلنا من البيت إلى العمل سياحة، ولحظاتنا التي نقضيها في المكاتب سياحة أيضا، حتى حينما نتسوق أبسط حاجياتنا فيمكننا اعتبار ذلك نوع من أنواع السياحة.

بحواسنا ندرك مدى استمتاعنا وتذمرنا مما حولنا، وربما قد سمعنا بمصطلح التلوث السمعي، حينما يكون هناك ما يؤثر سلبا على آذاننا كالضوضاء، هذه المرة أتحدث عن السياحة البصرية، هي أمور تعودنا عليها حتى أثرت سلبا أو إيجابا على شعورنا وتفكيرنا وحتى درجة إبداعنا.

كثيرا ما نربط جمال البيئة ونظافة الحي وزقزقة العصافير وخرير المياه بصورتين نمطيتين، أولاها ظروف العيش الأوروبي أو الأمريكي، وثانيهما حياة الترف والبذخ في المنتجعات السياحية وفنادق الخمس أو السبع نجوم، لكن في حقيقة الأمر هذه برمجة خاطئة ومغالطة واضحة، فكل منا يمكنه أن يجعل من غرفته أو بيته أو حيه نموذجا أوروبيا أو فندقا لا متناهي النجوم!.

لنبدأ رحلة السياحة البصرية بالخروج صباحا للعمل، فمنظر الحي الجميل تكدره أكياس القمامة المتناثرة هنا وهناك، تجعل ابتسامتك في وجه جارك تضمر وتختفي، وتحيته الصباحية اللطيفة ينقصها ما يكتمل به المشهد الإيجابي المساعد على الحيوية واستقبال نهار مليء بالنشاط والحيوية، فانظر أثر رمينا للقمامة في كل مكان وزمان!

ونحن في طريقنا للعمل سواء راجلين أو بالسيارة أو بالحافلة، نشاهد أمام ناظرينا ذلك السائق يرمي علبة أو كيسا من نافذة سيارته، هو تصرف مشين في حقيقته إلا أنه أصبح من العادات التي تبلد بشأنها الحس وتجعلنا لا نحرك ساكنا تجاهها، ثم نتساءل عن ذلك الكم من الأوراق والأكياس وبقايا علب البلاستيك على جوانب طرقنا ومالحل وو…!

مشهد الحافلة المكتظة بركابها يجعلنا أيضا أمام أمر غير اعتيادي فطريا، أليس من الأجدر بالركاب أن يكونوا جلوسا كل منهم يقرأ جريدته أو كتابه بكل راحة؟ ولو خضنا في التفاصيل أكثر لجئنا لمن يدخن سيجارته في الحافلة مع أن لافتة تبعد عن عينيه بضع سنتمترات تمنعه من ذلك!، زيادة لمنظر مرأة عجوز أو رجل واقفين بجانب شاب أو شابة يافعين جالسين بكل راحتهما!

لننزل من الحافلة ونتوجه صوب عملنا راجلين لبضعة أمتار، فنجد ذلك التاجر قد غزا الرصيف ببضاعته، يلزمك بالسير في طريق السيارات، وإن نظرت إليه مبتسما تنوي تحيته لمزك بعينيه  مستكرا ولسان حاله يستفسر: ألم يعجبك الأمر؟ (هو ليس تصرفا عاما، ولكنها حالة من الحالات، فهناك من يفعل ذلك ويبتسم لك غير مستشعر لخطئه).

استعمالنا لمكاتبنا وأماكن عملنا طيلة الدوام ورأيتها غير مرتبة تنسف ما بقي من رصيد الحيوية لدينا، فالعمل في مكان مريح ليست مهمة مستحيلة، كما أنها لا تعني أحدا غيرنا، فتوفير شروط النظافة والصيانة في مكاتبنا قضية متعلقة بسلوكنا نحن بالدرجة الأولى، لذا فليس من الصعب إنفاق وقت وجهد بسيطين في سبيل العناية بما يسر أبصارنا ويريحنا لإنجاز أعمالنا ومهامنا!

في تسوقنا لحاجياتنا الضرورية والكمالية، ندخل أسواقا شعبية فنرى بقايا الخضروات والفواكه مرمية تحت الأقدام، قبل أن يكون الأمر مرفوضا دينيا فهو مستنكر حسا وذوقا، ويجسد كل معاني التلوث البصري، وكذا المشهد المتكرر لصندوق صنف معين من السلعة ممتزجا بين الجيد والرديء (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا)، مع أن مقدمته تجعلك تسارع إليه لتكتشف زيف الواجهة بسوء المحتوى، وفي اكتشافنا لخداع التاجر في الميزان أيضا استعمال خاطئ للثقة، مما يضع أعيننا دائما في درجة التأهب حينما نصل لمرحلة وزن البضاعة!

في بيوتنا أيضا ترتيب مرافقها ونظافتها من العوامل المهمة في ممارسة السياحة البصرية حتى إن نحن فقدناها في خارجها، كما في النظر لوجوه أمهاتنا وزوجاتنا وأبنائنا بابتسامة صادقة وقع كبير جدا علينا وعليهم نفسيا، واستمتاعنا بتحضير أطباقنا ووجباتنا والتمعن في مائدة طعامنا -واستشعار النعم- قبل الشروع في تناولها فن وإحساس خاص لمن يتقن السياحة البصرية.

نظافة السيارة، وتوفير النباتات في بيوتنا وأماكن عملنا، وتعهدها بالسقاية، وإعانة طفل أو عجوز على قطع الطريق، وإرشاد سائل عن أي وجهة نعرفها، أو حمل حقيبة أو قفة ثقيلة على أي كان كلها مشاهد بسيطة يومية تعزز لدينا حسا سياحيا بصريا، وبالتالي مزاجا مناسبا للإبداع والتفكير في أمور أكبر وأفضل.

كما أن مشاهد التلوث البصري كثيرة لاحصر لها في حياتنا اليومية، وتغييرها في يدنا بالدرجة الأولى دون تعليق الشماعة كل مرة على الحكومة أو البلدية أو الغير -ولو كانوا يتحملون جزءا منها-، فلنبدأ بإصلاح أنفسنا في تفاصيلها الصغيرة لتتصلح سلبياتنا المستعصية شيئا فشيئا…

وأنا أبحث في الموضوع اكتشفت تقاربا كبيرا بين ما وددت الكتابة عنه ومصطلح “قرة العين” الذي ورد في القرآن والسنة النبوية، لا أدري هل ينطبق ذلك على السياحة البصرية، المهم أنه يدل على ما يسر النظر ويكسبه المزيد من الطمأنينة، فهذه قضية للبحث أكثر!

صف لنا مشهدا تصادف أو تكرر معك يعزز مفهوم السياحة البصرية؟

Exit mobile version