fbpx

الإنسان والفيسبوك… علاقة حب من طرف واحد!

من يوم بدأت علاقتي بشبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك والأسئلة تتبادر وتتوالى عليّ عن أفضل طريقة للاستخدام، سواء أكانت أسئلة داخلية أو من الأصدقاء حولي، أسئلة تحوّلت من يوم لآخر وكبر أثرها لدرجة التوتّر، فصارت أمرا مؤرّقا استلزم مني -ولا أزال- عدة كتابات هنا وهناك طرقا لأبواب الإثراء والإفادة من التجارب والرؤى، سواء كمقالات أو منشورات للتداول والنقاش بين الأصدقاء في الفيسبوك نفسه، وعوض الحصول على أجوبة وبلوغ درجة الاقتناع والارتياح، توسّعت الفجوة أكثر، وانهالت المزيد من الاستفسارات من الأصدقاء على طريقة “ابحث معك عن هذا”، “وأنت في مشوار بحثك أجبنا عن هذا الإشكال” فصرت حقّا في حيرة من أمري أكثر وأكثر..

قد يقول قائل إن طرق استخدام الفيسبوك مما تعجّ به صفحات الإنترنت فلماذا كل هذا الاهتمام بما هو موجود أصلا؟ نعم هناك طرق ميسّرة ومناهج مذلّلة لصعاب الفيسبوك، ولكن من الناحية التقنية، وهذا ما تدفع لاكتساب مهاراته إدارة الفيسبوك نفسها، وتوفّر لأجله موقعا متكاملا بعدد كبير من لغات العالم، تحدّثه باستمرار وتنشر فيه كل جديد، إضافة لما كتب في عديد المواقع الإلكترونية وألّفت لأجله الكتب، لكن ألا نلاحظ أن الهدف من كل هذا هو مصلحة الفيسبوك من طرف واحد، لتحقيق المزيد من المستخدمين وبالتالي تحقيق الطموحات المادية والمعنوية منه، ولو على حساب سذاجة وجهل المستخدم؟

فما هي طريقة الاستخدام المثلى أخلاقيا؟، وما هي أفضل ذهنية تعامل مع تقنية متطورة بوتيرة سريعة تسبق أحيانا حتى من يعتبر نفسه خبيرا في شبكات التواصل الاجتماعي؟، كيف نستثمر أوقاتنا الثمينة في ثنايا أمواجه المتلاطمة أفرادا، أسرا، ومجتمعات؟ كيف نواجه اختراق الفيسبوك لآخر ثغور الخصوصية التي صار يملك زمامها و”بأيدينا”؟ هل يعذر “الجاهل” و “المسيء” لاستخدام هذه التقنية مما ولّد خرابا ودمارا في العلاقات له ولغيره؟

كلها أسئلة تتبادر لذهن الإنسان السوي فيبقى حائرا أمامها لا يجد من ورائها سوى المزيد من التخوّف من المستقبل، وقد جمعتني شخصيا لقاءات ثنائية وأخرى جماعية مع أصدقاء في مواقف مختلفة لمناقشة جزء من هذه الأسئلة المطروحة سابقا، فلم أجد التفسير المقنع إلا نادرا، ولكن هل يكفي الوصف والتشخيص مع ضرورتهما؟

أشير ولو سريعا لنقطة الخصوصية التي ربما باتت تأخذ أبعادا متشعبة وتبلغ مستوى متفاقما ملحوظا من مرحلة لأخرى، وهذا بناء على إشكالات عديدة ترد عادة من والدين يشتكيان حال ابن أو ابنة لهما، أو ما يحدث بين الأصدقاء، فالقضية تستدعي هنا عدة تخصصات لو ندقق الملاحظة، ويستلزم لفكّ طلاسمها وتوفير حل واف لها المربّي والنفساني والاجتماعي، وحتى التقني، ليفيدونا ببحث عملي لسؤال: ما الذي يجعل الإنسان ينشر -بوعي منه أو دونه- معلومات كانت تخصّه هو فقط ومن في دائرته الضيقة، سواء بالنص أو الصورة، دون إجبار وإرغام على ذلك؟ فما القوة (المعنوية) التي دفعته لذلك؟

هل صارت مكاسب الإنسان الشخصية المصونة في زمن سابق عرضة للانكشاف والإفصاح لينشرها علنا ويصبح
بها كتابا مفتوحا، بدوافع تكسوها الرغبة في الاستعراض أحيانا، وتصبغها مسوّغات دينية كطلب الدعاء والتشهير بالنّعم، أو نفسيّة كإثبات الذات والبرهنة على الوجود، أو اجتماعية كالتباهي بامتلاك ما كان مفقودا من قبل.. ودوافع أخرى؟ لست أقرّر أحكاما ولا نتائج، ولكنّني أشعر أن هناك خللا، وأن هناك أمورا لم تعد في مقامها المناسب، فلينظر أي منّا لحاله ومن حوله، وليقيّم صفحته من حين لآخر ليتساءل عن المغزى من نشر أي معلومة أفصح عنها، وليصارح نفسه بإجابة مقنعة لنفسه أولا، وإن أبدى عشرات التبريرات لغيره.

الخلاصة أن نسعى لفتح ورشات بحثية علمية لدراسة التموقع الأفضل والأصوب مع ظاهرة الفيسبوك وأخواتها بمختلف إشكالاتها، وهذا لا يكون باستهلاك التقنية بقدر ما يستلزم الإبحار عميقا في الخلفيات والمنطلقات وكذا النتائج والمآلات على كافة العلاقات الإنسانية.

—————————————

  • المقالة منشورة في نشرية إسهام التي تصدر عن مؤسسة وسام العالِم الجزائري في عددها الأول.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ما شاء الله ، تحليل منطقي تتجاذب وتتناغم فيه الكلمات من مدون يسعى الى مشاركة تجاربه في شبكة تواصل اجتماعي التي اصبحت المتنفس الوحيد للشعوب ، خاصة (الشعب) الشباب الجزائري الذي ضاق مرارة البيروقراطية و المحاباة في جميع مجالات الحياة ، فمن خلال تواصلنا و تفاعلنا و مشاركة المعلومات في ما بيننا ، مستوانا الثقافي و العلمي يتطور و ينموا بسبب علماء غيروا مجرى الحياة مثل العالم البريطاني تيم بيرنرز لي مؤسس الويب الذي جعل العالم قرية صغيرة و كذالك امثال مارك زوكربيرج , بيل جيتس و ستيف جوبز ، فمنهم من صنع ادوات الحياة و الموت، ونحن العرب صنعنا قوارب الموت. واذا قراتم خاتمة كتاب حياة ستيف جوبز (صاحب شركة آبل APPLE) لوالتر ايزاكسون وقد اعترف بأن مواجهته للموت جعلته يرغب في أن يؤمن بأن ثمة حياة بعد الموت. وقال: “أود أن أتخيل أن شيئاً ما يتبقى منك بعد أن تموت. فمن الغريب حقاً أن تفكر أنك بعد أن تكدس كل هذه الخبرة وربما بعض الحكمة يتلاشى كل هذا، اذا أود أن أؤمن بأن شيئاً ما يبقى، وأنه ربما يستمر وعيك ويدوم”.
    ظل صامتاً لفترة طويلة للغاية، ثم قال: “ولكن على الجانب الآخر، ربما يشبه مفتاح الفتح/الغلق. كليك! وتكون رحلت”.
    سكت ثانية ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال: “ولعل هذا هو السبب الذي لم يجعلني أضع قط مفاتيح فتح/غلق في أجهزة أبل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى