fbpx

الإعلام حين يجعلنا في مهب الريح!

يعتقد كل متتبع للأحداث عبر وسائل الإعلام بكونه محيطا ومطّلعا على ما يجري في بقاع الأرض، مع تباين في زاوية النظر، وطريقة طرح القضايا بين وسيلة وأخرى، موقنا أن ذلك واجب عليه كمهتم بأمر إخوان له، الضحية من كل ذلك هو المشاهد البريء حين يستهلك دون تحليل، ويبتلع دون هضم.

حقيقة يبقى الإنسان حائرا تائها، لا يدري أينساق وراء ما تصوّره له القنوات الفضائية، من تسارع للأحداث وكثافة للمعلومات حتى لا تدع له مجالا للتفكير والتحليل، ولتصنع منه بوقا آخر من أبواقها سواء كانت تؤدي عملها بصدق أو بخبث وتلفيق، أم يتجاهل كل تلك الضوضاء، ويبتعد عن الإثارة التي صارت ملازمة للعمل الإعلامي على حساب نبل الرسالة وجديتها، وهنا يكون في مأزق آخر يجعل من ضميره يوخزه ويشعره بتنكره وتقصيره في نصرة إخوان له هم أحوج ما يكونون إليه في أزمتهم ومحنتهم.

بين هذا وذاك، نجد آلة الدمار تأتي على الأخضر واليابس غير آبهة بشيء، تسير وتجرّ معها آلتها الإعلامية موازاة مع العسكرية لعلمها بضرورة ذلك، والحرب الإعلامية دائما ما سبقت السلاح، وإنا لنشهد عدة تطبيقات ميدانية لها اليوم فيما يجري من حولنا، فكل آلة إعلامية لها خطّها التحريري، تغطيتها للأحداث لا يكون إلا بما يوافق أهواءها وخططها، وهذا أمر علينا الحذر منه، كي لا ننجر ولا ونكون مجرد أداة لرجع الصدى لما يحاك هنا وهناك.

لا أقول هذا لأفند كل ما يقع حولنا، إنما دورنا استيعاب الموقف مجردا، وتجاوز كل ما يشوبه من تحيزات لا توافق ثقافتنا وفكرنا، كالنظر في المصطلحات حين نتداولها، وعدم التهليل لطرف دون آخر قبل التحري والتحليل، فليس كل ما يصوره لنا الإعلام بثوب المظلوم هو كذلك، وليس كل ما يحارَب من الآلة الإعلامية هو حقا شرير، لحد الآن لم أذكر أمثلة من واقع الحال، ولكل منا عقل يسخرّه ليتصرف ويتوجه الوجهة الصائبة، دون تعنت ولا اعتداد بالرأي، بل لا يعْدو أن يكون الأمر مجرد اجتهاد بعد جمع عدة قرائن وتركيب مجموعة مؤشرات ومحطات.

مما أسقط الكثير من الآلات الإعلامية في مطبات ومهاو، اختزالها للظواهر وتفكيكها للأحداث لتقدمها لنا بشكل غير مطابق ولا منسجم مع واقعها الحقيقي، مغفلة الظروف والتاريخ ولعل القضية الفلسطينية خير مثال عندما يتم تناولها من الإعلام الغربي -وبعض العربي للأسف- فتصور لنا الشاب الفلسطيني كإرهابي يفجر نفسه بين مجموعة من الناس الأبرياء، دون التطرق لتاريخ الصراع، وحقه المهضوم، وحتى ظروف عيشه الانتقامية من عدو ظالم مغتصب لأرضه وقاتل لأسرته على مرأى من عينيه، صار بفضل التكرار بريئا طالبا للسلام!.

نفس الأمر وقع حين قتل القذافي وطريقة نهايته المأساوية البشعة، -دون أن أبرر ذلك- إذ صرنا ضحية إعلام رسم المجرم في ثوب الضحية، ووفّق في تجاوز ماضي الرجل الأسود إلى بضع لحظات ظهر فيها متوسلا خاضعا طيبا، مع الاستعانة أيضا بعدو الأمس القريب ليكون البطل المخلّص من براثن الظلم… وغيرها من الأمثلة الكثيرة في هذا السياق.

حاليا سوريا تستغيث وتتقطع أشلاؤها على مرأى من الجميع، وشعبها يلاقي الظلم في أقسى صوره من طغاة منهم من صنع نفسه ومنهم من صنعه عدو أكثر قساوة وقهرا، فلا النظام يصلح لحياة كريمة، ولا المعارضة أيضا، كلاهما جزء من معادلة طرفها الأهم هو حب السلطة بعيدا عن مصلحة الإنسان السوري الطيب، ليكون الضحية الأولى من أزمة تريدها قوى معادية لتكون طويلة لا تنتهي إلا بصراع أكثر دموية بين الأشقاء، مخلفا تركة من الحقد والظغينة لا تزول إلا بتدخله بشتى المسميات، حماية المدنيين أو انتداب أو استعانة مؤقتة… إلخ، فالشرخ يتسع على الراقع يوما بعد آخر، والإعلام السلبي يطبل ويضلل، ويتخذ وسائل أشبه ما تكون بلعب أطفال في سبيل نيل بعض الأهداف الزائفة الزائلة.

العراق بجنبها تئن تحت وطأة الظلم والاستعمار حينما فتح له الباب على مصراعيه إخوة -أشقياء- وطلبوا منه المكوث هناك بعدما منحوا له كل مقاليد خزائن الذهب الأسود، وقد وعدوه بتوفير الغطاء اللازم والسكوت إعلاميا دون إزعاجه، كالممرضة التي تلح على مريضها بالضغط فقط على الزر إن هو احتاج شيئا، فالقتلى والمغتصبات والتنكيل والتمثيل موجود هناك أيضا، لكن للقوى المهيمنة الآن رأي آخر ولذوي الإعلام المسيطر اهتمامات أخرى.

بوبال في الهند، لم تنل حقها من الإعلام لعدم وجود محفّزات لذلك، والناس عنها غافلون، مثلها تماما العشرات من المناطق في العالم يبيت أهلها ولا يدرون أسيستقبلون يوما جديدا؟ لا ذنب لهم سوى أن لهم اعتقادهم ودينهم الذي ارتضوه واختاروه بتلقاء أنفسهم، لكن ذنبهم الوحيد من التجاهل الإعلامي هو عدم وجود نفط أو غاز أو ثروة تحت أرضهم!

ناغورني قره باغ (Nagorno Karabakh) أيضا هي فصل من فصول الغفلة، أجزم أن القلة القليلة من سمع بها، هي قضية من واجب كل منا الاطلاع عليها، إخوان لنا في الدين يُقتّلون ويُذبّحون، ونساء في الأسر تُبقر بطونهن عنوة من جنود ملوا روتين الحياة وراحوا يلهون ويقامرون بما يحمل البطن إن كان ذكرا فازوا وإن كانت أنثى خسروا!، أين الرحمة وأين الإنسانية؟ أنصح كل غيور بالتوسع في الموضوع أكثر، علما أن مختصر القضية هو إقليم تعيش فيه أغلبية مسلمة تعرضوا للإبادة والتصفية (حوالي 25 مليون مسلم) وسط صمت إعلامي رهيب، مع تشويه وتحوير للقضية من القلة النادرة التي تناولت القضية في اختزالها إلى قضية سياسية محصورة في حدود متنازع عليها بين أرمينيا وأذربيجان.

أوضاع المسلمين في الصين، والشيشان والبوسنة والهرسك، وبعض دول إفريقيا… وغيرها مما علمنا وما لم نعلم، كلها ملفات مظلومة إعلاميا، لم تلق ذلك الاهتمام الواجب منا، لا لشيء سوى لكون (مصباح اليد) لم يصلها، كما أن هناك أمرا آخر أخطر وأهم، يتمثل في استهلاكنا للنموذج الإعلامي الغربي المهيمن استهلاك التلميذ النجيب لدروس معلّمته، غير ساعين لإيجاد نموذج إعلام بديل قوي الأسس والبنيان نخيط خيوطه بأيدينا، ونرسم معالمه وفق مبادئنا وتفكيرنا، هذا ليس مهمة المشاهد، إنما واجب رجال ومؤسسات الإعلام طبعا، مع ذلك الأمل قائم والمحاولات موجودة رغم ضعف صوتها، ندعو الله لها التوفيق والسداد.

ما أود قوله في الأخير من وراء كل هذا ألا نستسلم لصوت الإعلام بناء على انتشاره وقوته فقط، إنما تتوفر لنا الوسائل الآن للتدقيق والتمحيص كالإنترنت والتواصل المباشر، وإلا التزام الوقف والصمت، مع العمل دون ضجيج، فواجب النصرة يجعلنا نصرّ على البحث عن الحقيقة وفعل ما يسقط عنا ذلك الواجب، إنما المحذور هو ابتلاع السموم التي عادة ما تأتي مندسة في العسل، فلتكن ضمائرنا متّقدة، وآلة تفكيرنا نابضة حيّة، لا تقف على أشباه الحقائق إنما لا ترضى إلا بالحقيقة ولا شيء سواها.

مقالات ذات صلة

‫13 تعليقات

  1. السلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته ، صدقت أخي جابر على ما قلته حول الآلة الاعلانية من وجهة نظري أجد أن كل ما يحدث حول العالم وهذه الحروب الناشبة هنا وهناك ترجع الى سبب واحد وهو الآلة الاعلامية التي فرقت بين كل صديق وقطعت العلاقات وما الى ذلك وما الجزيرة خير مثال لذلك فالاستعمار القديم غير من أسلوبه فاصبح يعشش هنا وهناك وينشيء مراكز تابعة لها للقاضء على الاسلام بكل الطرق حقيقة غطيت الموضوع من كل جوانبه أخ جابر جزاك الله كل خير

    1. وعليكم السلام ورحمة الله مرحبا إلياس… كل آلة إعلامية تخدم رسالتها وأهدافها، لذا كان هذا التقاطع والتناحر، وبينما نكون غارقين في الوصف والتنديد والشجب فغيرنا يعمل، لذا وجب علينا خوض المعارك الإعلامية بوسائلنا في سبيل غاية واحدة هي رضوان الله، غير مبتغين منزلة ولا حظوة وهنا السر والله أعلم.

  2. أحسنت وأبدعت أخي العزيز جابر.
    هل لي أقترح إضافة مزيد من النقاط من وجهة نظر أخرى؟ كثيرا ما تفرض نفسها على وعي ونفسية الشخص المنتمي لميدان الصحافة والإعلام.
    إنها مدى توافق التزامه، وانظباطه، ووعيه الأخلاقي، والسياسي والإجتماعي، والتربوي و الديني الشخصي مع المؤسسة الإعلامية التي ينتمي إليها أو ينشط فيها.
    فكلنا يعلم أن الإعلام عمل جماعي مؤسسي لا يمكن لأحد القيام به على أكمل وجه مفردا.
    ونعلم كذلك أن الفرد يجب أن يقدم تنازلاتٍ وتوافقاتٍٍ و موافقاتٍٍ حتى يندمج في مجتمع أومؤسسة ما -نظرية العقد الإجتماعي-.
    لذا فالسؤال والإشكالية هي: إلى أي مدى يمكن لنا أن نتنازل؟ حتي نضمن وجودنا وفاعليتنا في المؤسسة رغبة تأدية الرسالة التي آمنا بها -من المقال أعلاه-؟
    أعني أن الهدف سامي وأخشى أن يكون الثمن والبذل غالٍ كذلك…..!
    فهل نأخذها من باب ” من يعرف المطلوب يحقر ما بذل”؟ أم ترانا أكثر ميلا ولو اضطرارا إلى قولهم ” وافق أو نافق أو فارق”؟

    أرجو أخي العزيز أن تفرد لنا مقالة في هذا الموضوع متى سنحت لكم الفرصة.

    والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

  3. يا أخي جابر، نحن لا نؤمن بقنواتنا التلفزيونية حتى في نشرة الطقس، فكيف نأمنها على باقي الأخبار! ولو أن للصورة سطوةً، فتلك القنوات ذات التكنولوجيا العالية تجعلنا جزءا صغيرا من الحدث وقد حصل فعلا فجلّ أخبارهم نقلا عن مواطنين، لكننا نسأل المولى الثبات.
    دوما أتذكر آية الشعراء إذ يتبعهم الغاوون وهم في كل واد يهيمون، الشعراء كانوا وسائل إعلام ذاك الزمان والقنوات شعراء اليوم ويحق عليها ما في الآية بشكل كبير والله أعلم.
    نبكي الحبيبة الشام الني يتصارع على أرضها ثلاثة مشاريع: مشروع الأمة خلف الشعب السوري والمشروع الطائفي الصفوي خلف النظام الأسدي والمشروع الغربي خلف عميله العربي. نسأل المولى أن تكون الغلبة للأول وأن يحفظ دماء الأبرياء هناك.
    مؤلم ما كتبت وواقعي يا ]خي.
    بوركت

  4. مجهود رائع و معلومات مفيدة حقا و موضوع شيق فعلا
    وفقك الله و جزاك خيرا
    فى انتظار المزيد

  5. اشكر المسئولين على المدونة على مشاركتنا مجهودهم الكبير
    واتمنى النجاح دائما لكل من ساهم فى اظهار المدونة بهذا الشكل

    ولكم تحياتى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى