يمكن أن يعجب الإنسان بإنسان، ويتأثر الشخص بالشخص، فمن أسدى لنا خدمة واجتهد في سبيل راحتنا وسعادتنا أحقّ بذلك الإعجاب، وأولى بكل تكريم، ولعله من أضعف الإيمان أن أكتب حبّا في شخص، ولو أنها التجربة الأولى لي في هذا الفضاء، إلا أنني حاولت فكانت هذه الكلمات…

لم أعتد الكتابة على هذا النحو، ولكن هذه المرة هناك ما يفرض عليّ ذلك، فإحساس داخلي قوي يجعلني أتشجّع وأخط بضع كلمات وكلّي يقين بأنها لا تفي قدر من أكتبها إليه، فالأمر هنا لا يتعلّق بصديق وفيّ قدّم لي خدمة، فهذا الإنسان قدّم لي خدمات وخدمات ولا يزال، وكذلك الأمر لا يتعلّق بإنسان تعرّفت عليه في يوم من أيام حياتي القصيرة، لكنه هو من تعرّف عليّ وعرفني قبل أن أفعل ذلك، وأحبّني قبل أن أفعل، لم يحببني أنا فقط لكنه كثيرا ما ردّد هذه العبارة عليّ وعلى غيري ممن كانت له مسؤولية الإشراف عليهم “والله إني أحبكم أكثر مما تحبونني”.

إلى أعز رجل إلى قلبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى من أنحني له وأسجد لو كان السجود جائزا، إلى والدي الكريم حفظه الله تعالى من كل سوء، وأثابه عني كل الجزاء، وثبّتني على خدمته بمعنى الوفاء كواجب من واجبات الأبناء.

والدي الذي لو بقيت مدى حياتي أعدد فضائله عليّ بعد الله تعالى ما أنصفته، فهو نعم الأب الذي يجمع بين فتوة الشباب، وخبرة الكبار، برؤيته الثاقبة كان مرارا معينا لي في متاهات حياتي، وبرأيه الصريح السديد كان ولا يزال نعم المعين ونعم الرفيق، والدي الذي أحسست دائما به أبا رؤوما، وأخا كريما، وصديقا رحيما، لا يستعمل كلماته أكثر من تعابيره فهو المثال الحي الذي رأيته في التربية بالقدوة والحال، و على مذهب أحد الكتّاب الأفذاذ فقد عنونت مقالتي: “إلى من بلغت العشرين ثلاث مرات!”.

لا تلمني أخي القارئ في هذا المدح لشخص أسعد حين سماع صوته فما بالك برؤيته، أبتهج بالتواصل معه وإن فرّقت بيننا الأيام وبعدت بيننا المسافات، رجل الظلّ كما أعتبره، فكم من نجاحات كان خلفها، وكم من إنجازات كان من أهمّ أسبابها، منها ما علمت ويعلمها من حوله، ومنها ما كان خبرها عند الله فقط.

والدي الحبيب ووالد المئات بل الآلاف غيري، أهديك تحية مكتوبة هذه المرة، وأدعو الله لك طول العمر وصلاح العمل، وحسن الخواتم، أدعو باسمي وباسم كل من أحبّك وسيحبّك، كل من عرفك عن قرب، وعن بعد، حفظك الله لنا، وبلّغك الأماني وجعل قرّة عينيك نتاج عملك في الدنيا والآخرة، فقد حملت أمانة ثقيلة ثقل الجبال، وآثرت المضيّ قدما فيها رغم الأعاصير والزوابع، فاثبت ما استطعت، لكن مع ذلك صحتك أولى، فخوفنا عليها كبير، واهتمامنا بها بالغ جدا.

والدي الذي عّلمنا معاني الإخلاص التي ورثها ممن سبقه، ودروس التضحية ونفي الذات، وعلوم التعامل مع الأجيال، وأصول التربية وتنشئة الشباب، وفنون الصبر، فكان مبدؤه دائما الصلاح والعلم مترادفين، ورسالته تنشئة جيل صالح فعّال يخدم محيطه ووطنه ودينه.

هذا والدي الذي أعزّه وأقدّره وكذلك يفعل إخوتي ومن كانت بعض تنشئته على يديه، ولكن خلف هذا الرجل دائما صرح عال كذلك هي أمي العزيزة وكما قيل: وراء كل رجل عظيم امرأة، فلك أنحني والدتي ثلاثا فأنت كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم أحق الناس بحسن صحابتي، ولا أنسى الصرح الآخر هو الأسرة الكبيرة والصغيرة، لهم مني كل المودة والحب، الكبير منهم والصغير.

وفي هذا السياق أدرج مقطعا من قصيدة للشاعر مصطفى قاسم عباس يقول فيها:

قالوا : تغالي فمَن تعني بشـــــعرك ذا؟ **** فقلت : أعنـــــــي أبــي ,أنْعِــــــمْ بذاك أبا

ولم تكــنْ من ذوي الأمــــوال تجمعُهـــا **** لــــــم تكنِـــــــزِ الدُّرَّ واليـاقـــوتَ والذهبـــــا

لكــــــــنْ كنزتَ لنا مجداً نعيــــشُ بـــــه **** فنحمدُ اللهَ مَن للخيـــــــــــر قد وَهبـــــــــا

كم سابقَ الفجرَ يسعى في الصباح ولا **** يعودُ إلا وضوءُ الشــــــمــــــس قد حُجبـــا

تـــقول أمـــي : صغارُ البيــــــت قد رقدوا **** ولم يَرَوْك , أنُمضــــــي عمرَنـــــــا تعَبــــا؟

يجيب : إنــي سأســــعى دائمــــاً لأرى **** يوما صغـــــــاريْ بدوراً تزدهــــــي أدبــــــا

ولــــــم تكـــن أبتي في المال ذا نـسب **** لكنْ بخيــــــرِ نكــــونُ الســـــادةَ النّجُبَـــــا

لقد نُســـــــبتَ أبــــي للخير في كـــرم **** يا منبعَ النبــــــــــــل فلْتَهْنأ بذا نســـــــــبا

نصحْتنا ما أُحيلى النّصْـــــــــحَ يا أبتي **** فأنت مدرســــــــــةٌ في النصــــــح لا عجبـا

واحفظ لنا والدي والأمَّ يا ســــــــــندي **** وإخوتـــــــي وأناســــــاً حبّــــــهُم وجبـــــــا

جاءت هذه المقالة بعد تأخر واضح في إدراجها لكوني واجهت صعوبة بالغة في ترتيب حروفها وأفكارها -ولا أدري إن كانت كذلك-، هذا بمناسبة بلوغ والدي الحبيب سنّ الستين فقد كتبت له هذه الكلمات -وأنا أرتعش خجلا أمام ضالع في الأدب والبلاغة-، ونقلت له هذه الأحاسيس إلكترونيا -وذلك أضعف الإيمان-، فاللهم زد له فوق الستين ستينا “وطوبى لمن طال عمره وحسن عمله”، واحفظه لي وأفض عليه من فضلك واكتبه من الصالحين هناك، فهو هنا صالح بإذنك يا أرحم الراحمين.