جرت هذه الأيام الانتخابات الرئاسية في تركيا واختتمت بفوز متوقّع وباهر لبطَل نهضتها رجب طيب أردوغان حسب ما يعتقد غالبية المتتبعين لشأن ذلك البلد المتّجه للصدارة العالمية بقوة، وفي هذا السياق بالذات استوقفتني فكرة كثيرا ما كنت أود الكتابة عنها ومحاولة البسط فيها، إذ تتعالى منها أسئلة كثيرة يمكن أن تشكل مدخلا هاما للموضوع.

فهل يعقل أن يكون وراء كل ذلك الإنجاز رجل واحد؟ وهل من الممكن أن تقوم دولة بجهود فرد أو قائد ملهم؟ هل فعلا ما نرى في واجهة الأمر هو في عمقه كما هو؟ كيف يتم تسويق الشخص بدلا عن الفكرة؟ وما المخاطر والتهديدات وراء كل هذا؟

هي حقا أسئلة تترامى لنا حينما ننهي نشوة الإعجاب، ونعود لذواتنا نستنطقها ونسبر أغوارها، ولمجتمعاتنا وأوطاننا نسائلها ونحفر في أسباب قيامها من سباتها، ونهوضها من كبوتها، وتخلّصها من أزماتها المكبّلة المعرقلة، فما الذي جعل فكرة الرجل المخلّص للأمم تطغى على عقولنا وتنطق بها ألستننا كل مرة بشعور وبدونه؟ أليس هذا نتاج كمّ هائل من أفلام هوليود التي تدور رحاها حول رجل واحد يهزم كل أسباب الفشل المادية والمعنوية ويقف صامدا فائزا آخر الحلقات؟

من الضروري أن نعي جيدا وندرك عمق القضية، فأسباب النجاح أبدا ما كانت نتاج الفرد الواحد، وإن كان وزنه كقائد ضروريا، ولكن لمستوى معيّن وفي سياق له حدوده، أما الواقع فهناك جملة جهود تستمد روحها من أفكار فعّالة تصنع معا مزيجا متجانسا متناغما يرسم بدوره صورة الإنجاز في أبهى حلله وأكملها، فدولة عظيمة مثل تركيا لم تكن لتصل لما بلغته حضارة واستجابة للعديد من أسئلة العصر الإنسانية، لولا إرادة جماعية وإيمان بأفكار تشرّبها المجتمع بتظافر جهود الأمّهات والآباء، المربّين والمدرّسين، التجّار والاقتصاديين، الإعلاميين والسياسيين، رجال الاجتماع والفكر والدين…

كلها جهود ترمي للفكرة نفسها باختلاف الوسائل والآليات، ولا مكان لاحتكار الإنجاز من شخص واحد وإن كان له الفضل -إعلاميا- في الكثير من المواقف التي يشكر عليها، وعليه أيضا أن يتقدم بالشكر الجزيل جراءها لمن خلفه من رجال الخفاء، مستشارين كانوا أو داعمين، مريدين ومحبّين، فكم من فعل عميق في الظل أدّى لحركة بسيطة تحت نور الشمس، نُسي تحت غمرة التصفيق لتلك الحركة البسيطة بعده.

أذكر في محاضرة ذات يوم لأحد الأساتذة مشكورين نبّهنا لنقطة حسّاسة في هذا الموضوع، وهي كيف أن الغرب تفطّن للحرب الفكرية التي يخوضها ضد من لا يجاريه في طروحاته ونظرياته، فصارت مؤسسات الإعلام تغيّر من صورة غلاف جرائدها ومجلاتها حسب المنطقة الجغرافية في العالم، وحينما نأخذ عددا صادرا لنفس اليوم موجّها لقرّائه في أمريكا الشمالية وجدناه مما يدور حول دائرة الأفكار، ولكن نسخة الشرق تمجّد شخصا وتركّز عليه الأضواء الكاشفة.

يحدث هذا لتتجسّد في ذلك الشخص الفكرة المراد تحطيمها أو على الأقل التحكم في مستوى تأثيرها في أوساط المجتمعات، وعندما تحين اللحظة المناسبة ويتشرب الناس ربط ذلك الشخص بالإنجاز المحقق في بيئته حتى يسقطونه بإشاعات مغرضة حوله ليفقد من حوله الثقة فيه وبالتالي في فكرته -وهي المقصد- فتنشب الخلافات الداخلية وتبدو التصدّعات، ولعل فكرة الإسلام أبرز مثال على هذا حينما ربطت عبارات مثل “الله أكبر” بالتفجير ونوع معيّن من البشر!

أخطر لعبة يؤدي دورها الإعلام وشركات العلاقات العامة بدهاء حاليا هي اللعب على وتر القدوات والشخصيات الأكثر تأثيرا في مختلف تخصصات الحياة، والدراسات الدقيقة والعميقة في هذا النوع من الإحصاءات كثيرة، تنشر نتائجها بصخب إعلامي على شكل مجلّات جذابة ومحترفة الإخراج فنيا ونفسيا، حتى صار الأصل في القضية هو ذلك الشخص، وكلّما علت نسبة تأثيره كان النّيل منه أعلى، وبالتالي ينهدم هو وما يحمل من أفكار، والأهم ليس شخصه هذه المرة ولكن أفكاره.

من الحكمة أن نُعمل عقولنا حينما نحلّل النجاحات والإخفاقات من حولنا، فلا ننسب جزافا كل إنجاز لشخص ونغلق خلفه الأبواب ونوصدها باختزال ساذج، حتى إذا هممنا بمحاكاته صدمنا في أول منعرج، ليكون الإنجاز في اعتقادنا وقناعاتنا منوطا بالرجل المخلّص المنتظر قدومه في فرس أبيض بجناحين يرسو في أعلى تلّة من المدينة، بيده كل مفاتيح الفرج والفلاح، هي مجرّد أوهام وكوابيس تنخر عقولنا إذا لم نتدارك ونستدرك، النجاح هو تكامل وتظافر لجهود الجميع دون استثناء كل في زاويته ينيرها وواجباته يؤدّيها، جاعلا نصب عينيه مصلحة الجميع فوق كل اعتبار.

للتوسع أكثر في موضوع “الأفكار المجسّدة”، أنصح بمطالعة مؤلّفات المفكّر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله.