ينبغي أن تكون المصائب في حياة المؤمن أمرا متجاوزا عنه وليس من الجديد الذي يفزعه ويفاجئه، إلا أن من طبيعة الإنسان التي فطره الله عليها الضعف نفسيا وجسديا، فبقدر ثباته وصبره في الصدمة الأولى بقدر ما تكون مكانته عند الله عز وجل، ولا أفضل من ترديدنا: “إنا لله وإنا إليه راجعون” مصداقا لقوله تعالى:وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ” [155، 156، 157 البقرة].

بلغني اليوم نبأ انضمام دارنا لقائمة الديار المستباحة المحروقة في بلدة كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فشاء الله أن تصاب المدينة منذ أشهر مضت ولحد اللحظة في أموالها وأنفسها وثمراتها، وأول ما استحضرت لما أقفلت هاتفي، خواطر ولحظات وذكريات مرت أمامي مرور البرق، فقلت في نفسي: سبحان الله، ما الذي يجعل الإنسان يقرأ عن أمور ويؤمن بها، ويطّلع على حال غيره ويقرّ به، ولكن حينما يكون هو المعني بها يودّ لو كان استثناء.

وأتذكر حينما زارنا أحد الضحايا الأوائل للأحداث إذ أحرقت داره عن آخرها بعدما هُدّد بالقتل عيانا فخرج منها وتركها رمادا خلفه، فوجدته محتسبا صابرا بل مستبشرا ضاحكا إذ قال لي: لولا أني وجدت الأنبياء يبتلون لاستغربت ربما، ولكن من أكون بالنسبة إليهم حتى أجزع! فاللهم ارزقنا جلَده وصبره، وثباته وتحمّله، وأين منّا في دار أحرقت، بمن قتلت أو سجنت ظلما وعدوانا فلذة كبده أو زوجه أو أخوه أو أبوه!

استذكرت لحظات وسنوات في دارنا المحروقة المنهوبة، ووجدتني أذرف دموعا حارة على مرتع صباي… أفراح وأعياد، لقاءات عائلية ودية حميمية، أعراس وولائم، أولى خطواتي وذكرياتي في عش الزوجية، منظر والدي وإخوتي وأبنائهم وهم يزينون كل ركن فيها بوجودهم، الأقارب والضيوف… هي لحظات بحلوها ومرّها تبقى في التاريخ، فالدنيا فانية بكل ما حوت من ملذات وبريق، ولو لم نودّع تلك اللحظات الآن لفعلنا عاجلا أم آجلا.

أستحضر بيتنا الذي سعى والدي الحبيب في بنائه على مراحل وخلال سنوات عدّة، بعرق جبينه وحلال قوته وحسب استطاعته، فلا شك أنه الأعمق وقْعا وتأثّرا، فقد كان يسأل عنها مرارا ونحن نحاول أن نصبّره بكونها لن تشذّ عن القاعدة وستلتحق بالركب مادامت الأزمة مستشرية ضاربة بجذورها، فلا بوادر في الأفق للحلّ رغم الوعود.

سبق لبيتنا أن تعرّض لهزّات أخّرتنا خطوات للوراء ولكن الحمد لله تجاوزناها وخلف الله بأفضل منها، كالسرقة التي تعرّضت لها قبل 13 عاما، إذ استغل لصوص خروجنا من البيت ليومين فقط حتى دخلوها وعاثوا فيها فسادا، وفتحت لأجلها التحقيقات التي لم يعرف لها أثر لحد الآن، وأخرى عام 2008 حينما غمرها فيضان عيد الفطر المبارك، ولكن هذه المرة الوقع أخطر وأكبر، فالمدينة تحت وقع الصدمة والأدخنة المتصاعدة، والأبرياء يتحمّلون هول اللحظات محتسبين لا ملجأ لهم سوى الله عز وجل.

لست ممن يصب غضبه على المقصّرين في حماية أبسط حقوق المواطنة في دولة تدّعي الكثير لمن يسمع عنها، ولكن في أرضها المتناقضات والمفارقات، فالله يتولّى أمر كل متقاعس متواطئ متخاذل متآمر… إنما أعيد السهام في كل مرة إليّ شخصيا، فأسأل الله أن يجعل مصائبنا كفّارة لذنوبنا، ومطيّة للارتقاء في درجات الجنّة، ويعوّضنا بكل بيت أحرق قصرا بل قصورا في الفردوس الأعلى، فلا قنوط ولا يأس من الحياة، ولا تذمّر ولا تأسّف على صفحاتها المتقلّبة بين البياض والسواد.

فصبرا أبي وصبرا أمي وصبرا إخوتي وصبرا زوجات إخوتي، وصبرا لأبنائكم… نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فما أصابنا لم يكن ليخطئنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا… حسبنا ونعم الوكيل.

تأملوا معي هذه الآيات واستحضروها متى ما ضاقت الحال، فلا شفاء ولا ترياق في غير القرآن الكريم والاحتساب مع الدعاء الخالص المخلص لله عز وجل:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

“إنَمَا يُوَفَى الصَابِرُونَ أجْرَهُم بِغَيرٍ حِسابٍ” [الزمر:10]

“إنّ الله مَعَ الصّابِرينَ” [البقرة:153].

“وَاللّهُ يُحِبُ الصّابِرِينَ” [آل عمران:146]

“وَلَئِن صَبَرتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصَابِريِنَ” [النحل:126].

“يآأيُّهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتّقُوا اللّهَ لَعَلَكُم تُفلِحُونَ” [آل عمران:200]

“وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ” [الشورى 36]

وبينما الجزائريون ضحايا إعلام غافل أو متغافل عما يحدث في عمق الوطن، متوجّهون صوب غزّة البطولة والصمود بالتنديد وعدم الرضا -وكلنا كذلك-، تبقى هناك أرض مزاب الطاهرة تئن لوحدها تحت وطأة المعتدين والقتَلة دون رادع ولا قانون، ووعود المسؤولين التي لا تصل الميدان لسبب أو لآخر، فلله أمرنا من قبل ومن بعد، فقط أذكّر بقصة الفأر والبقرة وصاحب المزرعة، فأخوف ما أخاف أن يقول الجزائريون يوما ما، “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.

هي رسالة كتبتني ولم أكتبها، وأنا البعيد عن الديار، اعتصرتُ بها أفكارا أردت أن تكون موجّهة لي بدرجة أولى، ولعائلتي الكريمة من والديّ العزيزين إلى إخوتي وزوجاتهم وأبنائهم، ولأصدقائي الذين تضامنوا تضامنا كبيرا بمكالماتهم ورسائلهم ومواساتهم، وإن هي إلا خطوات نخطوها قد كتبها الله لنا، وإليه الأمر من قبل ومن بعد.

  •  صورة من فناء بيتنا الوارف الظلال حينما كان الحال أفضل مما هو عليه اليوم (صورة لأخي عبد الحميد)